︎ المغرب في النظام الدولي المتعدد الأقطاب: من تنويع الشراكات إلى بناء القوة

تُظهر قراءة التحولات الجارية في السياسة الخارجية المغربية أن المملكة لم تعد تكتفي بإدارة علاقاتها الدولية وفق منطق التحالفات التقليدية، وإنما تعمل على بناء هندسة متعددة المستويات للشراكات تجمع بين الأمن، الاقتصاد، الدبلوماسية، البنية التحتية والامتداد الإفريقي. وتزداد أهمية هذا المسار في سياق دولي يتجه نحو التعددية القطبية وتنافس الولايات المتحدة والصين وروسيا والقوى الإقليمية على النفوذ والأسواق وسلاسل الإمداد.

وتؤكد دراسات حديثة أن المغرب دخل سنة 2026 باعتباره «قوة وسطى» ذات موقع بنيوي عند تقاطع الأطلسي والمتوسط والساحل، وهو موقع يمنحه قيمة تتجاوز حجمه الديموغرافي والاقتصادي المباشر.

■ الولايات المتحدة: الشراكة الأمنية إلى القوة الجيوسياسية

تمثل الولايات المتحدة أحد أعمدة السياسة الخارجية المغربية، خصوصاً في الأمن والدفاع ومكافحة الإرهاب وملف الصحراء. لكن الأهمية الجديدة للعلاقة تكمن في انتقالها تدريجياً من التعاون الأمني إلى تقاطع أوسع بين الأمن، الطاقة، الاستثمار، إفريقيا والأطلسي.

استراتيجيا، تحتاج واشنطن إلى شريك مستقر في شمال إفريقيا وقادر على العمل في الساحل وغرب إفريقيا، بينما يحتاج المغرب إلى مظلة سياسية واستراتيجية أمريكية قوية في القضايا ذات الأولوية الوطنية.

وعليه، فإن القيمة الحقيقية للشراكة ليست في حجم المبادلات التجارية فقط، بل في القدرة على تحويل المصالح المتبادلة إلى نفوذ سياسي طويل الأمد.

الصين: الاستثمار مقابل التوازن الاستراتيجي

تتقدم الصين داخل الاقتصاد المغربي، خصوصا في السيارات الكهربائية ومكونات البطاريات والصناعة وسلاسل التوريد. وقد أصبح المغرب منصة جذابة للشركات الصينية الراغبة في الوصول إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية. لكن هذا التطور يخلق في الوقت نفسه حساسية لدى الاتحاد الأوروبي بشأن احتمال استخدام المغرب كقاعدة للنفاذ إلى السوق الأوروبية في ظل التوتر التجاري بين بروكسل وبكين.

هنا تظهر براعة الموقف المغربي: استقبال رأس المال والتكنولوجيا الصينية دون تحويل العلاقة الاقتصادية إلى اصطفاف جيوسياسي.

وهذه نقطة مركزية في مفهوم «الاستقلالية الاستراتيجية» المغربية: الاستفادة من الصين اقتصادياً، مع الحفاظ على الشراكات الغربية والأوروبية والأمريكية.

■ روسيا: الحفاظ على قناة استراتيجية دون اصطفاف

العلاقة المغربية الروسية تقوم على براغماتية واضحة. وقد انعقدت الدورة الثامنة للجنة الحكومية المشتركة في موسكو سنة 2025، في سياق الاحتفال بمرور عقد على الشراكة الاستراتيجية المعمقة الموقعة سنة 2016.

المغرب لا يملك مصلحة في الدخول في محور روسي، كما لا يملك مصلحة في قطع قنوات التواصل مع موسكو. ولذلك فإن السياسة الأكثر عقلانية هي الإبقاء على العلاقة مفتوحة اقتصاديا ودبلوماسيا مع المحافظة على تموضع المغرب ضمن منظومة شراكاته الغربية.

وهذا يندرج ضمن سياسة التحوط الاستراتيجي: عدم تحويل المنافسة بين القوى الكبرى إلى قيد على القرار الوطني.

الهند: شريك صاعد في الصناعة والأمن الغذائي

تتجاوز أهمية الهند بالنسبة للمغرب التجارة التقليدية. فالمغرب يمثل مصدرا مهما للفوسفاط والأسمدة للهند، بينما تنظر نيودلهي إلى المغرب باعتباره منصة محتملة للنفاذ إلى أوروبا وإفريقيا، خصوصا في قطاعات السيارات والدفاع والطيران والصناعات التحويلية.

كما أن التحولات الأخيرة في التجارة الهندية مع إفريقيا وأمريكا اللاتينية تؤكد أن نيودلهي تعمل على تنويع سلاسل الإمداد والوصول إلى الموارد والأسواق.

لذلك يمكن أن تتطور العلاقة المغربية الهندية من علاقة تجارية إلى شراكة جيو-اقتصادية ثلاثية الأبعاد: المغرب ـ الهند ـ إفريقيا/أوروبا.

باكستان: علاقة أقل مركزية ولكن ذات قيمة استراتيجية

لا تمثل باكستان بالنسبة للمغرب وزناً اقتصاديا مماثلا للولايات المتحدة أو الصين أو الهند، ولذلك ينبغي التعامل معها ضمن إطار مختلف: التعاون السياسي، الدفاعي، الإسلامي، والتوازنات الآسيوية.

وتزداد أهمية متابعة باكستان بسبب موقعها في المعادلة الآسيوية وعلاقاتها مع الصين والخليج وتركيا. كما أن الاتفاق الدفاعي الثلاثي الجديد بين باكستان والسعودية وتركيا في أغسطس 2026 يعكس إعادة تشكيل لبعض شبكات الأمن في العالم الإسلامي، وهو تطور يستحق الرصد من منظور مغربي، خصوصاً بالنظر إلى الروابط المغربية الخليجية.

لكن لا ينبغي تضخيم البعد المغربي في هذه المعادلة؛ الأصح هو اعتبار باكستان متغيراً في البيئة الاستراتيجية الأوسع وليس محوراً رئيسياً في السياسة الخارجية المغربية.

بريطانيا: شريك ما بعد «بريكست»

تكتسب بريطانيا أهمية خاصة لأنها تمنح المغرب منفذاً إضافيا إلى الاقتصاد البريطاني بعيدا عن الإطار المؤسسي للاتحاد الأوروبي.

وقد تحولت العلاقة سنة 2025 إلى «شراكة استراتيجية معززة»، تشمل الأمن والدفاع والهجرة والجريمة المنظمة وتبادل المعلومات والاستخبارات، إلى جانب البنية التحتية والطاقة والمياه والاستثمار. كما بلغ حجم التجارة الثنائية 4.8 مليارات جنيه إسترليني في الاثني عشر شهرا المنتهية في سبتمبر 2025.

ومن منظور جيو-اقتصادي، يمثل التعاون البريطاني فرصة للمغرب لتنويع مصادر التكنولوجيا والتمويل والخبرة، خصوصا مع مشاريع البنية التحتية المرتبطة بكأس العالم 2030.

الاتحاد الأوروبي: الشريك الاقتصادي الأكبر والفضاء الأكثر حساسية

يبقى الاتحاد الأوروبي المجال الاقتصادي الأكثر أهمية للمغرب، لكنه أيضاً العلاقة الأكثر تعقيداً؛ لأن الاعتماد متبادل.

أوروبا تحتاج إلى المغرب في ملفات الهجرة، الأمن، الطاقة، سلاسل الإمداد، الصناعة والقرب الجغرافي، بينما يحتاج المغرب إلى السوق الأوروبية والاستثمار والتكنولوجيا.

وفي يناير 2026، عزز الاتحاد الأوروبي مقاربته تجاه ملف الصحراء، مرحباً بقرار مجلس الأمن 2797 وبالمسار القائم على مقترح الحكم الذاتي المغربي. كما أكد الطرفان خلال أبريل 2026 التزامهما بتعميق الشراكة الاستراتيجية.

لكن دخول الصين بقوة إلى الصناعة المغربية يفرض معادلة دقيقة: كيف يستفيد المغرب من الاستثمار الصيني دون أن يتحول إلى ساحة صراع تجاري بين بكين وبروكسل؟

هذه ستكون إحدى أهم معادلات السياسة الاقتصادية المغربية خلال السنوات المقبلة.

إفريقيا: الانتقال من «الحضور» إلى بناء الشبكات

تمثل إفريقيا العمق الاستراتيجي الأكثر قابلية للتوسع بالنسبة للمغرب.

لك التحول المهم هو أن السياسة الإفريقية المغربية لم تعد تعتمد فقط على العلاقات الثنائية، بل تتجه نحو بناء شبكات ومؤسسات وممرات اقتصادية وأمنية.

وتندرج ضمن هذه الرؤية العودة إلى الاتحاد الإفريقي، والاستثمارات البنكية والاتصالاتية والصناعية، ومشاريع الأسمدة والطاقة، والتعاون الأمني، والمبادرة الأطلسية، وأنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي.

كما أن المغرب يشارك في بناء فضاء إفريقي أطلسي مؤسسي؛ فقد انعقد الاجتماع الوزاري السابع لمسلسل الدول الإفريقية الأطلسية في كوتونو في يوليوز 2026، مع وجود أمانة دائمة في الرباط وبرنامج عمل يشمل الأمن والاقتصاد الأزرق والربط البحري والطاقة.

هنا تحديدا تنتقل السياسة الخارجية من الدبلوماسية التقليدية إلى هندسة المجال الجيو-اقتصادي.

■ أمريكا اللاتينية: مجال قابل للتوسع

لا تزال أمريكا اللاتينية أقل حضوراً في الحسابات المغربية من أوروبا وإفريقيا والعالم العربي، لكنها تمثل مجالا استراتيجيا قابلا للتوسع، خصوصاً في البرازيل والأرجنتين والمكسيك ودول الكاريبي.

وتكمن القيمة في ثلاثة مستويات: الأسواق الزراعية والغذائية، الشراكات الصناعية، والتنسيق السياسي داخل المؤسسات متعددة الأطراف.

كما أن تطور العلاقات مع البرازيل يمكن أن يوفر للمغرب مدخلا إلى أكبر اقتصاد في أمريكا الجنوبية، بينما يمكن للرباط استخدام موقعها الأطلسي كبوابة للتقارب الاقتصادي بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

الهدف الاستراتيجي هنا ليس بناء محور سياسي، وإنما تنويع شبكة العلاقات وتقليل الاعتماد الجغرافي على سوق واحدة.

الخليج ومجلس التعاون الخليجي: رأسمال واستثمار وغطاء سياسي

تتميز العلاقات المغربية الخليجية بخصوصية تتجاوز الاقتصاد.

ففي مارس 2026، جدد مجلس التعاون الخليجي دعمه لمغربية الصحراء والوحدة الترابية للمملكة، كما تقرر أن يستضيف المغرب الاجتماع الوزاري المشترك التاسع بين الطرفين، بمبادرة خليجية.

وهذا يعني أن العلاقة تحولت إلى شراكة سياسية واقتصادية واستراتيجية.

الخليج يوفر للمغرب رأس المال والاستثمار والطاقة والشراكات المالية، بينما يوفر المغرب للخليج موقعاً مستقراً على الأطلسي والمتوسط، وقاعدة للوصول إلى الأسواق الإفريقية والأوروبية.

ومن ثم، فإن العلاقة الخليجية ينبغي قراءتها ضمن مفهوم تكامل رأس المال الخليجي مع الموقع والقدرات المغربية.

المنظمات والتجمعات الاقتصادية: المغرب يتحرك عبر شبكات متعددة

المغرب لا يعتمد على مؤسسة اقتصادية واحدة، بل يتحرك داخل مجموعة من الأطر: الاتحاد الإفريقي، منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية AfCFTA، منظمة التعاون الإسلامي، الشراكات الأوروبية، اتفاقيات التجارة مع الولايات المتحدة وبريطانيا، والعلاقات مع الاقتصادات الآسيوية والعربية.

وفي ما يتعلق بـBRICS، فإن المغرب دُعي إلى صيغة «الدول الشريكة» التي استحدثتها المجموعة، لكن قائمة الدول التي قبلت الدعوة المنشورة رسميا لا تتضمن المغرب؛ وبالتالي لا يصح وصف المغرب حالياً بأنه عضو أو شريك فعلي في BRICS.

وهذه نقطة مهمة: المغرب يستفيد من فضاءات الجنوب العالمي دون أن يربط سياسته الخارجية بالانضمام إلى محور اقتصادي بعينه.

المبادرة الملكية الأطلسية: قلب المعادلة

تكتسب المبادرة الملكية الأطلسية أهمية خاصة لأنها تجمع في مشروع واحد ما كان يُدار سابقا عبر ملفات منفصلة.

المبادرة التي أُطلقها الملك محمد السادس سنة 2023 تهدف إلى تمكين دول الساحل غير الساحلية من الوصول إلى المحيط الأطلسي، بينما يقوم «مسلسل الدول الإفريقية الأطلسية» ببناء إطار أوسع للتعاون بين الدول الساحلية.

وبالتالي فإن المبادرة يمكن قراءتها على ثلاثة مستويات:

■ #جيوسياسيا: توسيع المجال الاستراتيجي المغربي جنوبا.

■ #اقتصاديا: إنشاء ممرات تجارية ولوجستية تربط الساحل بالموانئ الأطلسية.

■ #أمنيا: تحويل التنمية والربط الاقتصادي إلى أدوات لمعالجة بعض جذور عدم الاستقرار في الساحل.

وهنا تكمن أهميتها: الميناء والطرق والطاقة والتجارة تصبح أدوات نفوذ، بينما تتحول الدبلوماسية إلى وسيلة لتأمين الممرات والشراكات.

القراءة الإستراتيجية

تكشف هذه الشبكة من العلاقات أن المغرب لا يتجه نحو اختيار محور دولي واحد، بل نحو استراتيجية تعدد الشراكات مع الحفاظ على استقلالية القرار.

فهو يطور شراكة أمنية وسياسية مع الولايات المتحدة، ويحافظ على عمق اقتصادي مع الاتحاد الأوروبي، ويستقطب الاستثمار والتكنولوجيا الصينية، ويطور علاقاته مع الهند، ويحافظ على قنوات مع روسيا، ويوسع الشراكة مع بريطانيا، ويعمق علاقاته الخليجية، ويعيد بناء حضوره الإفريقي، ويفتح المجال أمام أمريكا اللاتينية.

هذه ليست بالضرورة سياسة «موازنة» بين القوى الكبرى بالمعنى الكلاسيكي، بل أقرب إلى التحوط الاستراتيجي Strategic Hedging: تنويع الشركاء، توزيع الاعتماد، وتحويل الموقع الجغرافي إلى أصل سياسي واقتصادي.

ومن هذه الزاوية، تصبح المبادرة الملكية الأطلسية أكثر من مشروع تعاون مع دول الساحل؛ إنها محاولة لإعادة تعريف المجال الحيوي الاقتصادي والاستراتيجي للمغرب من المتوسط إلى الأطلسي، ومن شمال إفريقيا إلى غرب إفريقيا والساحل.

والخلاصة الأهم للنخب السياسية والاقتصادية والأمنية هي أن قوة المغرب المستقبلية لن تُقاس فقط بحجم اقتصاده أو قدراته العسكرية، وإنما بقدرته على الربط بين الجغرافيا، رأس المال، البنية التحتية، الأمن، الديلوماسية وشبكات التجارة العالمية.

إذا نجح المغرب في تحويل هذه العناصر إلى منظومة متكاملة، فإن انتقاله من «قوة إقليمية مؤثرة» إلى قوة جيو-اقتصادية متوسطة ذات نفوذ عابر للأقاليم يصبح احتمالاً استراتيجيا قابلا للتحقق، لا مجرد خطاب سياسي.

● نجيب الأضادي باحث دكتوراه في الجيوبوليتيك بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *