في خطوة قُرئت بوصفها محاولة لإعادة ترميم العلاقة بين الطرفين بعد أشهر من التوتر، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين المداوي، يوم الخميس 25 يونيو 2026، اجتماعاً مع المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي. اجتماع جاء بمبادرة من الوزير ذاته، في سياق يطبعه الفتور الذي خيّم على العلاقة بين الوزارة والإطار النقابي الأبرز للأساتذة الباحثين، على خلفية الوقفات الاحتجاجية التي قادتها التنسيقية النقابية بمشاركة ثلاث اعضاء من المكتب الوطني خلال الفترة الأخيرة.
ولئن خرج هذا اللقاء بمكاسب في عدد من الملفات، فإن قراءة متأنية في سياقه ومجرياته ومخرجاته تكشف أن مسار الحوار بين الوزارة والنقابة لا يزال يسير على خيط رفيع، يفصل بين تهدئة موقوتة وانفجار محتمل.
سياق متوتر… ومحاولة لكسر الجمود
لم يأت هذا اللقاء من فراغ، بل جاء في لحظة كانت فيها العلاقة بين الوزارة والنقابة قد بلغت درجة متقدمة من الفتور؛ إذ تحوّلت التنسيقية النقابية إلى صوت احتجاجي مرتفع، يطالب بحقوق الأساتذة الباحثين العالقة منذ سنوات. وقد شكّلت الوقفات الاحتجاجية الأخيرة عاملاً ضاغطاً، دفع الوزارة إلى تغيير مقاربتها، والانتقال من الترقّب إلى المبادرة بفتح قنوات الحوار.
غير أن استدعاء الوزير للمكتب الوطني، وفق ما كشفه مصدر جامعي لموقع “بلبريس”، انطلق في أجواء بعيدة عن الود؛ إذ أبدى المسؤول الحكومي استياءه مما وصفه بمواقف وشعارات التنسيقية النقابية، في إشارة تعكس حجم الحساسية التي تطبع علاقة الوزارة بالحراك النقابي القاعدي. في المقابل، تمسك أعضاء المكتب الوطني بمواقفهم، ورفضوا أي تراجع عن سقف المطالب التي تتعلق بحقوق الأساتذة الباحثين، وهو ما يكشف أن الحوار، رغم أهميته، انطلق من موقع المواجهة لا من موقع التوافق المسبق.
الدكتوراه الفرنسية: ملف على عتبة الحسم
يُعدّ ملف “الدكتوراه الفرنسية” من أبرز الملفات التي خرجت بنتائج إيجابية من هذا اللقاء؛ ملف طالما انتظره الجسم الأكاديمي المغربي، خاصة في صفوف الأساتذة الذين حصلوا على شهادتهم من الجامعات الفرنسية، ووجدوا أنفسهم أمام فراغ تنظيمي يعرقل مساراتهم المهنية.
والتعهد الذي قدمته الوزارة بإحالة مشروع المرسوم المنظم لهذا الملف على الأمانة العامة للحكومة يوم الاثنين 29 يونيو 2026، تمهيداً لنشره في الجريدة الرسمية في أقرب وقت، يُشكّل لحظة فارقة في مسار طويل من المراسلات والمطالبات. ومن المنتظر أن يضع هذا المرسوم حداً لجدل قانوني وإداري امتد لسنوات، ويُعيد الاعتبار لشريحة واسعة من حاملي هذه الشهادة، الذين عانوا من غياب الإطار التنظيمي الواضح الذي يضمن إدماجهم في المنظومة على قدم المساواة مع باقي حاملي الدكتوراه.
ترقيات 2023: تقدّم تحت سقف انتظار وزارة المالية
أما ملف الترقيات العالقة برسم سنة 2023، فقد دخل بدوره مرحلة متقدمة، إذ تمت إحالة 172 ملف ترقية على وزارة المالية للتأشير، في انتظار المصادقة النهائية، وربط الإجراء بصدور المادة التاسعة. غير أن هذا التقدّم يبقى مرتبطاً بإيقاع وزارة المالية ذاتها، التي عادةً ما يستغرق فيها التأشير على ملفات الترقية وقتاً طويلاً، وهو ما قد يُحوّل المكسب النظري إلى مكسب مؤجل في الانتظار.
وتظل 36 ترقية تخصّ الأطر المشتركة في طور الدراسة، وهو ما يطرح أسئلة حول مآل هذه الفئة من الأساتذة، الذين يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان بين وزارتين، ويتأثر مسارهم المهني بتعقيدات الإدارة المشتركة وتداخل الاختصاصات.
السنوات الاعتبارية: حلّ قريب وتمسك نقابي بمبدأ الشمولية
شهد ملف السنوات الاعتبارية انفراجاً ملموساً، يُنبئ بقرب التوصل إلى صيغة نهائية. وفي هذا الملف تحديداً، جدد المكتب الوطني تشبثه بمبدأ شمول جميع الأفواج دون استثناء، وهو موقف يحمل دلالة قوية؛ إذ يكشف أن النقابة ترفض أي حل يُقصي شريحة من الأساتذة، وتُصرّ على معالجة عادلة ومتساوية لكل من يستحق هذا الحق.
ومن المتوقع أن يُشكّل هذا الملف، في حال حسمه على هذا الأساس، نقطة تحوّل في تحسين الوضع المهني والمادي لشريحة واسعة من الأساتذة الباحثين، خاصة أولئك الذين قضوا سنوات من العمل قبل الإدماج الرسمي، أو الذين تأخر إدماجهم لأسباب إدارية لا دخل لهم فيها.
ملفات تنتظر دورات حوار إضافية
في المقابل، لم يحسم الاجتماع كل الملفات. فملف الأقدمية العامة لا يزال مفتوحاً، ويحتاج إلى مزيد من الاشتغال للوصول إلى صيغة ترضي جميع الأطراف. وهو ملف ذو حساسية خاصة، لأنه يمسّ مباشرة الوضعية المالية والإدارية لمئات الأساتذة الذين يطالبون باحتساب أقدميتهم العامة في تحديد رواتبهم وترقياتهم، وهو ما يجعل أي حل جزئي فيه مدعاة لإعادة فتح النقاش لاحقاً.
وعلى المنوال ذاته، يبقى ملف دكتوراه الدولة في انتظار استكمال النقاش بشأنه. وهي شهادة تحمل قيمة رمزية وعلمية كبيرة في المنظومة الجامعية المغربية، ويرى حاملوها أنهم يستحقون اعترافاً مهنياً وإدارياً يتناسب مع الجهد العلمي الذي بذلوه، وهو ما يجعل أي تأخّر في معالجة هذا الملف مدعاة لإعادة الاحتقان مستقبلاً.
الإصلاح البيداغوجي: ورش جديد على الطاولة
من المخرجات اللافتة لهذا الاجتماع، فتح ورش الإصلاح البيداغوجي. فقد كشفت المصادر ذاتها أن النقابة ستقدم مجموعة من المقترحات إلى الوزارة، التي أبدت استعدادها للتفاعل معها، في إطار السعي إلى تطوير منظومة التعليم العالي والارتقاء بها.
وتُعدّ هذه الإشارة مهمة، لأنها تنقل النقاش من حقل المطالب الفئوية إلى الأفق الأشمل للإصلاح؛ وهو ما يعني أن النقابة لا تكتفي بالدفاع عن حقوق الأساتذة، بل تطمح إلى أن تكون شريكاً في صياغة السياسات العمومية المتعلقة بالتعليم العالي. وهذا التحوّل في الخطاب النقابي، إن تواصل، قد يعيد تعريف العلاقة بين الوزارة والنقابة من علاقة “تفاوض حول الحقوق” إلى علاقة “شراكة في الإصلاح”.
قراءة في الدلالات
يحمل هذا الاجتماع عدة دلالات يمكن استخلاصها:
أولاً، إن مبادرة الوزير بالدعوة إلى الحوار تكشف عن إدراك متأخر، لكنه فعلي، لحجم الاحتقان داخل القطاع. فالحراك النقابي القاعدي لم يكن ممكناً تجاوزه بالصمت أو بالتجاهل، وكان لا بدّ من فتح قنوات التفاوض قبل أن تتحوّل الوقفات إلى إضرابات مفتوحة تشلّ الجامعة.
ثانياً، إن التوتر الذي طبع بداية الاجتماع، ثم النتائج الإيجابية التي خرج بها، يُظهران أن الحوار الاجتماعي القطاعي قادر على إفراز نتائج حتى من رحم الخلاف، شرط توفّر إرادة سياسية حقيقية لدى الطرفين، وقدر من المرونة في التعامل مع المطالب.
ثالثاً، تمسك المكتب الوطني بمطالبه رغم استياء الوزير، يُؤكّد أن النقابة تتعامل مع الملفات من موقع قوة، مستفيدةً من زخم الحراك القاعدي الذي يدعم مواقفها. وهو ما يُعطي للمكتب الوطني هامش مناورة أوسع في التفاوض، ويجعل الوزارة أمام مُحاور لا يتنازل عن السقف بسهولة.
رابعاً، إن الانتقال من ملفات الحقوق المادية إلى ورش الإصلاح البيداغوجي يعكس نضجاً في الخطاب النقابي، الذي بات يجمع بين الدفاع عن المصالح الفئوية والانخراط في الأسئلة الكبرى للمنظومة. وهو ما قد يُعيد تموقع النقابة في المشهد العام بوصفها فاعلاً في السياسة التعليمية لا مجرد طرف مطلبي.
خامساً، إن ربط بعض الملفات بإجراءات وزارية أخرى، كوزارة المالية والأمانة العامة للحكومة، يكشف أن جزءاً من تعثّر الملفات لا يعود إلى وزارة التعليم العالي وحدها، بل إلى منظومة الحكامة الحكومية برمتها، وهو ما يستوجب على النقابة توسيع دائرة تفاوضها لتشمل فاعلين آخرين..إ
ان ما جرى يوم الخميس 25 يونيو 2026 لم يكن مجرد اجتماع تقني بين وزارة ونقابة، بل كان محطة في مسار أطول، يعكس تحوّلات عميقة في العلاقة بين الفاعل الحكومي والفاعل النقابي داخل قطاع استراتيجي كالتعليم العالي. وسواء أُعتبر هذا اللقاء بداية مرحلة جديدة، أم مجرد هدنة قصيرة في صراع أطول، فإن نتائجه الفعلية ستظهر في الأسابيع والأشهر المقبلة، حين يُختبر التزام الوزارة بتعهداتها، وقدرة النقابة على المحافظة على وحدة موقفها وزخم حراكها.