تحل الذكرى السابعة والعشرون لاعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين، في سياق وطني وإقليمي ودولي بالغ التعقيد، جعل من هذه المناسبة أكثر من احتفال رمزي، لتتحول إلى محطة سنوية لتقييم حصيلة الإصلاحات واستشراف آفاق المستقبل، واستحضار مسار متواصل من التحديث المؤسساتي والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي الذي عرفه المغرب خلال العقود الأخيرة.
ومنذ اعتلاء جلالته العرش، اختار المغرب نهجاً يقوم على التدرج في الإصلاح، وربط التنمية بالاستقرار، وتوسيع مجالات المشاركة السياسية، وتعزيز مكانة المؤسسات الدستورية، مع الحرص على جعل المواطن في صلب السياسات العمومية، باعتباره الهدف الأساسي لكل مشاريع التنمية. وشهدت المملكة خلال السنوات الماضية سلسلة من الأوراش الكبرى التي أعادت رسم ملامح الدولة المغربية، سواء على مستوى البنيات التحتية أو الإصلاحات المؤسساتية أو البرامج الاجتماعية، في إطار رؤية استراتيجية بعيدة المدى تقوم على استباق التحولات ومواجهة التحديات بمنطق التخطيط والاستمرارية.
رؤية ملكية صنعت مغرب القرن الحادي والعشرين
لم يعد الحديث عن البنيات التحتية في المغرب يقتصر على إنجاز طريق سيار أو توسيع ميناء أو تحديث مطار، بل أصبح يرتبط بمسار متكامل لإعادة بناء مقومات الاقتصاد الوطني وفق رؤية جعلت من الاستثمار في التجهيزات الأساسية ركيزة للنمو والتنمية. فمنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، دخلت المملكة مرحلة جديدة اتسمت بإطلاق مشاريع مهيكلة غيرت ملامح الخريطة الاقتصادية، ورفعت قدرة البلاد على استقطاب الاستثمار، وربط مختلف الجهات بشبكات نقل ولوجستيك حديثة.
وعلى امتداد 27 عاماً، انتقلت البنيات التحتية من كونها قطاعاً خدمياً إلى أحد أبرز محركات التنمية، إذ ترافقت المشاريع الكبرى مع توسع صناعي وتجاري وسياحي، انعكس على تموقع المغرب داخل سلاسل الإنتاج العالمية، وعلى دوره كحلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا.
ثورة البنيات التحتية.. عندما أصبحت المشاريع العملاقة محركاً للاقتصاد
وتبرز شبكة الطرق السيارة باعتبارها إحدى أهم صور هذا التحول، بعدما ارتفع طولها من أقل من 400 كيلومتر في نهاية تسعينيات القرن الماضي إلى نحو 1800 كيلومتر حالياً، في حين تجاوزت شبكة الطرق السريعة 2200 كيلومتر، ما ساهم في تحسين الربط بين المدن، وتقليص زمن التنقل، وخفض كلفة النقل بالنسبة للأفراد والمقاولات، فضلاً عن تعزيز جاذبية عدد من المناطق للاستثمارات الصناعية والسياحية.
ويشكل الطريق السيار المداري للدار البيضاء نموذجاً حياً لهذا التحول، حيث تم إنجازه وفق معايير عالمية ليساهم في فك العزلة عن عدد من الجماعات المجاورة وتسهيل ولوج المناطق الصناعية الكبرى.
كما أن مشروع الطريق السيار الرابط بين تزنيت والداخلة، الذي يتجاوز طوله 1000 كيلومتر، يمثل أحد أضخم المشاريع الطرقية في إفريقيا، حيث سيربط بين شمال المملكة وجنوبها بمعايير حديثة، مما سيعزز التكامل المجالي ويساهم في تنمية الأقاليم الجنوبية وتثبيت الاستثمارات بها.
طنجة المتوسط.. المشروع الذي غير خريطة التجارة العالمية
ولم يقتصر الرهان على النقل الطرقي، بل شمل تطوير شبكة لوجستية متكاملة كان ميناء طنجة المتوسط أبرز عناوينها. فمنذ انطلاقه، تحول المشروع إلى واحد من أكبر الموانئ في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، بطاقة استيعابية تفوق 9 ملايين حاوية سنوياً، بينما تجاوزت المناولة الفعلية خلال السنوات الأخيرة حاجز 10 ملايين حاوية، الأمر الذي رسخ مكانة المملكة كمركز عالمي للنقل البحري، وربطها بأكثر من 180 ميناء عبر العالم، وأسهم في استقرار كبريات الشركات الصناعية داخل المنصة الصناعية لطنجة المتوسط.
وبالتوازي مع هذا الإنجاز، تتواصل أشغال عدد من المشاريع المينائية الاستراتيجية، من بينها ميناء الناظور غرب المتوسط، وميناء الداخلة الأطلسي، إلى جانب مواصلة تطوير موانئ آسفي والجرف الأصفر، في إطار توجه يروم تعزيز الواجهة البحرية للمغرب ورفع قدراته في مجال التجارة الدولية والخدمات اللوجستية.
ويأتي ميناء الداخلة الأطلسي ليضيف بعداً استراتيجياً جديداً للمملكة، حيث سيمكن من فتح واجهة بحرية إضافية على المحيط الأطلسي، مما سيعزز مكانة المغرب كقطب لوجستي إقليمي ويربط منطقة الصحراء المغربية بسلاسل التموين العالمية.
ليس ميناء طنجة المتوسط مجرد منشأة مينائية، بل هو مشروع استراتيجي متكامل أعاد تشكيل خريطة التجارة العالمية من موقعه الاستراتيجي على واجهة البحر الأبيض المتوسط، حيث يربط بين أوروبا وإفريقيا وأمريكا، ويشكل بوابة رئيسية للتبادل التجاري بين هذه القارات الثلاث. ومنذ تدشينه، تحول الميناء إلى محور أساسي في استراتيجية المغرب ليكون منصة لوجستية عالمية، تساهم في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتعزيز الصادرات الوطنية.
وبفضل موقعه الجغرافي المتميز وقربه من السوق الأوروبية، استطاع ميناء طنجة المتوسط أن يجتذب كبريات شركات الشحن والنقل البحري العالمية، كما ساهم في استقرار عدد كبير من الشركات الصناعية متعددة الجنسيات في المنصة الصناعية الملحقة به، خاصة في قطاعي السيارات والطيران، حيث أصبحت المنطقة قطبا صناعياً متكاملاً يضم وحدات إنتاجية تصدر منتجاتها إلى مختلف أسواق العالم.
وتشير المعطيات الرقمية إلى أن الميناء استطاع خلال السنوات الأخيرة أن يتجاوز منافسين كبار في حوض البحر الأبيض المتوسط، ليصبح ضمن قائمة أكبر الموانئ من حيث مناولة الحاويات، كما ساهم بشكل مباشر في خلق عشرات الآلاف من فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة، سواء داخل الميناء أو في المناطق الصناعية المجاورة.
من البراق إلى مغرب 2040.. السكك الحديدية تدخل مرحلة جديدة
أما النقل السككي، فقد عرف بدوره تحولاً غير مسبوق مع إطلاق أول قطار فائق السرعة في القارة الإفريقية، وهو مشروع “البراق” الذي اختصر زمن الرحلة بين طنجة والقنيطرة بشكل كبير، قبل أن تمتد خدماته إلى الدار البيضاء، ليصبح واحداً من أبرز المشاريع التي غيرت مفهوم التنقل بالمملكة. كما سجل هذا الخط خلال سنة 2024 نقل حوالي 5.6 ملايين مسافر، في وقت يواصل فيه المكتب الوطني للسكك الحديدية تنفيذ برنامج استثماري ضخم بقيمة 96 مليار درهم يشمل تمديد الخط فائق السرعة نحو مراكش، واقتناء 168 قطاراً جديداً، وتوسيع الشبكة لتشمل 43 مدينة في أفق 2040، بما يتيح تغطية نحو 87 في المائة من السكان.
وتواكب هذه الدينامية مشاريع موازية لتطوير البنية السككية الحضرية، خاصة بمنطقة الدار البيضاء الكبرى، حيث تشمل الأشغال إضافة مسارات جديدة، وإنجاز محطات حديثة، وتوسيع منشآت الصيانة، بما ينسجم مع متطلبات النمو الديمغرافي والاقتصادي، والاستعداد لاحتضان كأس العالم 2030. ويُنتظر أن يُحدث تمديد خط البراق نحو مراكش نقلة نوعية في حركة التنقل بين شمال المملكة وجنوبها، حيث سيمكن من ربط العاصمة الاقتصادية بالعاصمة السياحية في زمن قياسي، مما سينعكس إيجاباً على القطاع السياحي ويساهم في تسهيل تنقل المواطنين والزوار على حد سواء.
المطارات تستعد لاستقبال 80 مليون مسافر
وفي قطاع النقل الجوي، شهدت المطارات المغربية توسعات متتالية رفعت من قدرتها على استقبال المسافرين، مع إطلاق برامج استثمارية جديدة تشمل بناء محطة جديدة بمطار محمد الخامس وتحديث عدد من المطارات الجهوية، في إطار خطة تستهدف مضاعفة الطاقة الاستيعابية للمطارات المغربية لتبلغ نحو 80 مليون مسافر في أفق سنة 2030، تزامناً مع النمو المتواصل للقطاع السياحي واستعدادات المملكة للاستحقاقات الدولية المقبلة.
ويأتي في مقدمة هذه المشاريع توسيع مطار مراكش المنارة، الذي يشهد تدفقاً متزايداً للسياح الأجانب، إلى جانب تحديث مطارات أكادير والرباط وفاس، بما يضمن توزيعاً متوازناً للحركة الجوية ويعزز جاذبية مختلف المدن المغربية كوجهات سياحية واستثمارية.
الأمن المائي.. معركة المستقبل التي بدأها المغرب مبكراً
في مواجهة التحديات المناخية التي تتفاقم سنة بعد سنة، وتوالي سنوات الجفاف التي تضرب المنطقة، انتقل الاستثمار في البنيات التحتية المائية إلى صدارة الأولويات الوطنية، بعدما أطلقت المملكة برنامجاً واسعاً لبناء السدود، وإنجاز محطات تحلية مياه البحر، والربط بين الأحواض المائية، بهدف تعزيز الأمن المائي وضمان تزويد المدن والمناطق الفلاحية بالمياه.
وتشير البرامج الحكومية إلى توجه يجعل تحلية مياه البحر مصدراً رئيسياً للتزود بالماء خلال السنوات المقبلة، في ظل استمرار تأثيرات الجفاف وتراجع الموارد التقليدية، وهو ما يجعل من هذا الملف قضية سيادية ترتبط بشكل مباشر بأمن المغرب الغذائي والاقتصادي والاجتماعي.
وتتصدر مشاريع تحلية مياه البحر واجهة هذه الاستراتيجية، حيث تم إنجاز عدد من المحطات الكبرى، على غرار محطة الدار البيضاء التي تعد من أكبر محطات التحلية في إفريقيا، إلى جانب محطات أخرى في مختلف المناطق الساحلية، منها محطة أكادير ومحطة سيدي إفني ومحطة آسفي، في انتظار محطات جديدة سيتم تدشينها خلال السنوات المقبلة.
كما يولي المغرب أهمية قصوى لتقنية إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة في الري، في إطار مقاربة مبتكرة تهدف إلى ترشيد استهلاك المياه وحماية الموارد المائية من النضوب.
وتشير التقديرات إلى أن استراتيجية المغرب في مجال الماء تستهدف رفع عدد السدود الكبرى إلى أكثر من 160 سداً، مع مضاعفة القدرة الإنتاجية لمحطات التحلية لتصل إلى أكثر من مليار متر مكعب سنوياً بحلول سنة 2030، مما سيساهم بشكل كبير في سد العجز المائي وتأمين احتياجات القطاعات الإنتاجية والاستهلاكية.
السيادة الطاقية.. من استيراد الطاقة إلى الاستثمار في المستقبل
في الوقت الذي كانت فيه معظم الدول تستورد احتياجاتها الطاقية بأسعار تتزايد باستمرار، راهن المغرب على تحويل هذا التحدي إلى فرصة، من خلال الاستثمار المكثف في الطاقات المتجددة، واضعاً نفسه في موقع رائد في هذا المجال على المستويين الإفريقي والعربي. وقد انعكس هذا التوجه في إطلاق مشاريع عملاقة في مجالي الطاقة الشمسية والريحية، جعلت من المغرب وجهة رئيسية للاستثمارات الخضراء، وموطناً لتجارب متقدمة في مجال الانتقال الطاقي. ويأتي مشروع نور ورزازات، أكبر محطة للطاقة الشمسية في العالم، كأحد أبرز المعالم التي جسدت هذه الرؤية الاستباقية، حيث أسهم في تعزيز القدرة الإنتاجية للطاقة النظيفة بالمغرب، وجذب أنظار المستثمرين الدوليين إلى إمكانات المملكة في هذا المجال.
ولم يتوقف الأمر عند محطة ورزازات، بل تم توسيع المشاريع لتشمل مناطق أخرى، حيث تم إنجاز محطات شمسية وريحية في عدد من الجهات، مثل محطة نور ميدلت ومحطة طنجة للرياح، مما رفع من نسبة الطاقات المتجددة في المزيج الطاقي الوطني إلى مستويات متقدمة.
وفي خطوة نحو المستقبل، أطلق المغرب استراتيجية طموحة للهيدروجين الأخضر، في إطار توجه عالمي نحو هذه الطاقة النظيفة، حيث تم إعداد عرض وطني لجذب الاستثمارات في هذا المجال، والاستفادة من المؤهلات الطبيعية والبنيات التحتية المتوفرة. كما يواصل المغرب تعزيز شبكته الكهربائية الوطنية، وتوسيع قدرات تخزين الطاقة، استعداداً لزيادة الاعتماد على المصادر المتجددة، وتقليص الاعتماد على المحروقات المستوردة، بما يعزز سيادته الطاقية ويضمن استدامة إمدادات الكهرباء للمواطنين والقطاعات الإنتاجية.
الدولة الاجتماعية.. أكبر ورش اجتماعي في تاريخ المغرب
في سياق تزايد الحاجة إلى العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق، أطلق الملك محمد السادس الورش الملكي للحماية الاجتماعية، باعتباره أكبر إصلاح اجتماعي عرفته المملكة، ويشمل تعميم التأمين الإجباري عن المرض، والتعويضات العائلية، والتقاعد، والتعويض عن فقدان الشغل، بما يهدف إلى توفير حماية اجتماعية شاملة لفئات واسعة من المواطنين. ويعكس هذا المشروع الطموح التزاماً ملكياً راسخاً بجعل المواطن في قلب السياسات العمومية، وتوفير الضمانات الاجتماعية التي تضمن له العيش الكريم والكرامة، وخاصة الفئات الهشة والمهمشة التي ظلت لعقود بعيدة عن مظلة الحماية الاجتماعية.
وتزامن إطلاق هذا الورش مع برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، الذي يهدف إلى تحويل الدعم العمومي من الدعم غير المباشر إلى دعم نقدي مباشر للأسر المستحقة، مما يضمن وصول هذا الدعم إلى مستحقيه بشكل أكثر فعالية وعدالة، ويحد من التسربات والهدر التي كانت تطال آليات الدعم السابقة. وقد شرع المغرب في تنزيل هذا البرنامج عبر منصة “الدعم المباشر” التي خصصتها الحكومة لتسجيل الأسر المؤهلة، واستفاد منها ملايين الأسر حتى الآن.
كما شمل الإصلاح الاجتماعي إعادة هيكلة المنظومة الصحية، من خلال بناء مستشفيات جامعية ومؤسسات استشفائية جديدة، وتأهيل الموارد البشرية، وإعادة تنظيم القطاع الصحي وفق تصور جديد يهدف إلى تحسين جودة الخدمات وتقريبها من المواطنين. وفي هذا الإطار، تم إطلاق برامج لتأهيل المستشفيات الجهوية والإقليمية، وتوسيع العرض الصحي في المناطق القروية والنائية، حيث كانت الخدمات الصحية محدودة وضعيفة، إلى جانب تعزيز التكوين الطبي وشبه الطبي لتغطية النقص الحاد في الكوادر الصحية.
وفي قطاع التعليم، تواصل الدولة تنفيذ إصلاحات هيكلية تروم الارتقاء بجودة المدرسة العمومية، وتحسين الحكامة، وربط التكوين بمتطلبات سوق الشغل، إلى جانب توسيع التعليم الأولي وتعزيز التكوين المهني باعتباره رافعة للتشغيل والإدماج الاقتصادي.
وقد تم إطلاق عدد من البرامج الطموحة في هذا المجال، من بينها برنامج “مدارس الريادة” الذي يهدف إلى تحسين جودة التعليم في المؤسسات التعليمية العمومية، وتعزيز الكفاءات الأساسية للتلاميذ، مع التركيز على اللغات والرياضيات والعلوم، بما يتماشى مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.
كما واصل المغرب تعزيز مبادرة التنمية البشرية، التي تعتبر الرافعة الأساسية لمكافحة الفقر والهشاشة في المناطق القروية والحضرية، حيث تم إطلاق العديد من المشاريع المدرة للدخل والمشاريع الاجتماعية في مجالات الصحة والتعليم والماء الصالح للشرب والكهربة، مما ساهم في تحسين ظروف عيش ملايين المواطنين في مناطق كانوا يعيشون فيها ظروفاً قاسية، وضمان ولوجهم إلى الخدمات الأساسية التي طالما حُرمت منهم.
القيادة في زمن الأزمات.. كورونا والحوز نموذجان
في تدبير الأزمات، برزت المقاربة الملكية خلال جائحة كورونا من خلال إطلاق صندوق خاص لتدبير الجائحة، وتوفير الدعم للأسر والمقاولات، وإطلاق واحدة من أسرع حملات التلقيح على المستوى الإفريقي، فضلاً عن تطوير القدرات الوطنية في مجال الصناعات الدوائية والسيادة الصحية. وقد شكل هذا التدبير السريع والحازم نموذجاً يحتذى به في التعامل مع الجائحة، حيث تم اتخاذ قرارات صعبة في وقت مبكر، من بينها الإغلاق الحدودي والحجر الصحي وتقييد الحركة، مما ساهم في حماية المواطنين وتفادي انهيار المنظومة الصحية، في وقت كانت فيه الدول الكبرى تعاني من تداعيات الجائحة على اقتصادها ومنظوماتها الصحية.
كما جسدت الاستجابة الملكية لزلزال الحوز نموذجاً في التدبير السريع للكوارث، عبر إطلاق برنامج متكامل لإعادة الإعمار والتأهيل، وتوفير الدعم المباشر للأسر المتضررة، وإعادة بناء المرافق العمومية وفق معايير حديثة. وقد حرصت السلطات المغربية على توفير المأوى والغذاء والدواء للمتضررين في وقت قياسي، مع استمرار عمليات إعادة البناء التي تشمل المدارس والمستوصفات والطرق والمنشآت الحيوية، في إطار رؤية تضمن عدم تكرار الأضرار مستقبلاً من خلال اعتماد معايير البناء المقاوم للزلازل.
السياسة الخارجية.. حضور متزايد وصوت مسموع
في مجال السياسة الخارجية، تمكن المغرب من تعزيز حضوره الإقليمي والدولي، متجاوزاً الدور التقليدي لدولة عربية ومغاربية إلى شريك فاعل في القضايا الإقليمية والدولية.
وقد تجلى ذلك في عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، بعد انسحاب استمر أكثر من ثلاثة عقود، حيث استطاع أن يستعيد مكانته الطبيعية في المؤسسات الإفريقية، ويطور علاقات متينة مع العديد من الدول الإفريقية في مجالات الاقتصاد والطاقة والصحة والأمن.
كما عمل المغرب على تعزيز شراكاته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا والصين ودول الخليج، وتطوير علاقات التعاون جنوب-جنوب، خاصة مع الدول الإفريقية والأمريكية اللاتينية، وصولاً إلى المشاركة الفاعلة في مبادرات حفظ السلام، والتعاون العسكري، والمساعدات الإنسانية.
وفي هذا الإطار، أطلق المغرب “المبادرة الأطلسية”، التي تهدف إلى تحويل الواجهة الأطلسية إلى فضاء للسلام والتنمية المستدامة والتعاون المشترك، استفادة من الموقع الاستراتيجي للمغرب على المحيط الأطلسي وبوابته نحو إفريقيا والأمريكيتين.
ويأتي دعم المغرب للقضية الفلسطينية ضمن ثوابت سياسته الخارجية، مع حرصه الدائم على التوسط والوساطة في النزاعات الإقليمية، وتعزيز السلم والأمن في المنطقة. كما يضطلع المغرب بدور مهم في مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، من خلال التعاون الأمني والاستخباراتي مع الدول الأوروبية والإفريقية، والتصدي لشبكات التهريب والاتجار بالبشر، إضافة إلى تطوير مقاربات اقتصادية وتنموية في البلدان المصدرة للهجرة، بالتنسيق مع الشركاء الدوليين، مما يجعله شريكاً لا غنى عنه في العديد من الملفات الدولية الراهنة.
مونديال 2030.. تتويج لمسار تنموي طويل
مع اقتراب استضافة كأس العالم 2030، بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال، تدخل البنيات التحتية المغربية مرحلة جديدة عنوانها توسيع المكتسبات ومواصلة الاستثمار في مشاريع أكثر طموحاً، تشمل الطرق والسكك الحديدية والمطارات والموانئ والملاعب والمنشآت المائية، بما يعزز مكانة المغرب كمنصة إقليمية للنقل والاستثمار، ويؤكد أن الأوراش التي انطلقت قبل سبعة وعشرين عاماً لم تكن مشاريع ظرفية، بل جزءاً من رؤية استراتيجية طويلة المدى جعلت من البنية التحتية أحد أهم أعمدة التحول التنموي بالمملكة.
ويستعد المغرب لاستقبال هذا الحدث العالمي ببرنامج استثماري ضخم يشمل بناء وتحديث الملاعب وفق المواصفات الدولية، ورفع الطاقة الاستيعابية للمطارات إلى 80 مليون مسافر سنوياً، وتوسيع شبكة الطرق والسكك الحديدية، وتطوير البنية الفندقية، وإطلاق مشاريع المدن الذكية، بما يضمن تنظيم استثنائي لهذا الحدث، ويترك إرثاً تنموياً يستمر لأجيال قادمة. ويعكس هذا الاستعداد مدى التزام المغرب بجعل هذا الحدث محطة مهمة في مساره التنموي، وتتويجاً للجهود المتواصلة التي بذلت خلال العقدين الماضيين لبناء دولة عصرية قادرة على استضافة أكبر الأحداث العالمية بأفضل المعايير.
بالأرقام.. 27 سنة من الإنجازات
تتجلى حصيلة سبعة وعشرين عاماً من حكم الملك محمد السادس في مجموعة من المؤشرات الرقمية الدالة، التي تعكس حجم التحول الذي عرفه المغرب في مختلف المجالات. فقد ارتفعت شبكة الطرق السيارة من أقل من 400 كيلومتر في نهاية تسعينيات القرن الماضي إلى نحو 1800 كيلومتر حالياً، بينما تجاوزت شبكة الطرق السريعة 2200 كيلومتر، في إطار شبكة طرقية شاملة تربط مختلف جهات المملكة وتسهل حركة التنقل ونقل البضائع.
كما تجاوزت مناولة ميناء طنجة المتوسط الفعلية 10 ملايين حاوية سنوياً، مما جعله من بين أكبر الموانئ في حوض البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، مع ربطه بأكثر من 180 ميناء عبر العالم، وتواجد أكثر من 1000 شركة صناعية ولوجستية في مناطقه الصناعية، تشغل أكثر من 100 ألف شخص بشكل مباشر.
ويواصل المكتب الوطني للسكك الحديدية تنفيذ برنامج استثماري ضخم بقيمة 96 مليار درهم، يشمل تمديد الخط فائق السرعة نحو مراكش، واقتناء 168 قطاراً جديداً، وتوسيع الشبكة لتشمل 43 مدينة في أفق 2040، بهدف تغطية 87% من السكان وتعزيز الربط السككي بين المدن الكبرى والجهات النائية.
وفي قطاع النقل الجوي، تستهدف الخطة الوطنية رفع الطاقة الاستيعابية للمطارات إلى نحو 80 مليون مسافر في أفق 2030، استعداداً لكأس العالم، مع تحديث المطارات الحالية وبناء محطات جديدة، خاصة في المدن التي ستستضيف المونديال، مثل الدار البيضاء ومراكش وطنجة وأكادير وفاس.
أما في مجال الماء، فقد تم إنجاز محطات كبرى لتحلية مياه البحر في الدار البيضاء وأكادير وآسفي وسيدي إفني، مع برنامج لتعميم هذه التقنية في جميع المناطق الساحلية، بإجمالي استثمارات تجاوزت 100 مليار درهم، ومن المنتظر أن تصل الطاقة الإنتاجية لمحطات التحلية إلى أكثر من 1.7 مليار متر مكعب سنوياً بحلول 2030.
وفي مجال الطاقات المتجددة، تجاوزت حصة الطاقات النظيفة في المزيج الطاقي الوطني 40%، مع أهداف طموحة للوصول إلى 52% بحلول 2030، وذلك بفضل مشاريع كبرى مثل نور ورزازات ومحطات الرياح المنتشرة في مختلف جهات المملكة.
كما استفاد أكثر من 11 مليون شخص من التأمين الإجباري عن المرض في إطار ورش الحماية الاجتماعية، في حين انطلق برنامج الدعم الاجتماعي المباشر الذي استفادت منه أكثر من 3 ملايين أسرة مغربية، مع توسيع التغطية الصحية لتشمل الفئات التي كانت تعاني من الحرمان، ومواصلة إصلاح المنظومة التعليمية التي تستهدف تحسين جودة المدرسة العمومية ورفع مردودية التلاميذ في مختلف المستويات الدراسية.
الحكامة ومحاربة الفساد.. رهان متجدد
وفي ما يتعلق بالحكامة، ما فتئت الخطب الملكية تؤكد على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة، والرفع من نجاعة الإدارة العمومية، وتسريع وتيرة الرقمنة، ومحاربة مختلف مظاهر الفساد والبيروقراطية، بما يضمن تحسين جودة الخدمات وتعزيز ثقة المواطنين.
وقد تم إطلاق العديد من المبادرات في هذا الصدد، من بينها تعزيز دور هيئة النزاهة ومكافحة الرشوة، وتفعيل مقتضيات القانون المتعلق بالتصريح بالممتلكات، وتوسيع نطاق الإدارة الإلكترونية لتقريب الخدمات من المواطنين وتقليص زمن الإنجاز، وهو ما ساهم في تحسين ترتيب المغرب في المؤشرات الدولية المرتبطة بمكافحة الفساد ومناخ الأعمال.
عيد العرش مسار مستمر نحو مغرب أكثر تنافسية
في الختام، يبقى عيد العرش مناسبة وطنية لتجديد التأكيد على أن مسار الإصلاح بالمغرب يقوم على الاستمرارية والتدرج، وعلى رؤية استراتيجية تجعل من التنمية الشاملة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية ركائز أساسية لبناء مستقبل أكثر ازدهاراً، في ظل قيادة الملك محمد السادس، الذي جعل من تحديث الدولة وتعزيز مكانة المواطن محور المشروع الوطني منذ اعتلائه العرش.
فحصيلة سبعة وعشرين عاماً لا تختزل في عدد المشاريع المنجزة، بل في التحول الذي عرفه النموذج التنموي المغربي، حيث انتقلت المملكة من منطق إنجاز المشاريع القطاعية إلى بناء رؤية متكاملة تقوم على الاستثمار في الإنسان والبنيات التحتية والمؤسسات، وتعزيز السيادة الاقتصادية والمائية والطاقية والاجتماعية.
ويبرز أن الأوراش الجارية استعداداً لكأس العالم 2030 تمثل امتداداً لهذا المسار، بما يعزز مكانة المغرب كقوة إقليمية صاعدة وشريك موثوق على المستويين الإفريقي والدولي، ويؤكد أن المملكة تواصل مسيرتها التنموية بثبات، مستندة إلى إرث من الإنجازات ورؤية مستقبلية طموحة، في ظل قيادة ملك جعل من المغرب نموذجاً للاستقرار والتنمية في محيط يتسم بالتغيرات والتحديات.