صعد رئيس مدينة سبتة، خوان فيفاس، لهجته تجاه الحكومة الإسبانية، متهما إياها بالتقاعس في معالجة تداعيات موجة الدخول الجماعي إلى المدينة، وملمحا بشكل مباشر إلى احتمال أن تكون اعتبارات الحفاظ على علاقات «شبه جيدة» مع المغرب وراء عدم اتخاذ مدريد إجراءات أكثر صرامة.
وقال فيفاس، خلال مؤتمر صحافي عقده عقب اجتماع استثنائي لحكومة المدينة، إنه لا يفهم أسباب عدم اتخاذ الحكومة الإسبانية، بعد نحو ثلاثة أسابيع على أحداث 30 و31 يوليوز، الإجراءات الكفيلة بإعادة سبتة إلى ما وصفه بـ«الوضع الطبيعي»، مؤكدا أن المدينة لا تزال تواجه توترا يمس الأمن والخدمات والتعايش والاستقرار.
وطرح رئيس سبتة ثلاثة تفسيرات لعدم تحرك الحكومة بالشكل الذي يطالب به، تتمثل في «عدم الكفاءة» أو «عدم المسؤولية» أو الرغبة في عدم إزعاج المغرب، معتبرا أن الاحتمال الأخير هو الأكثر إثارة للقلق.
وقال فيفاس إنه يأمل ألا تكون مدريد تتجنب «التصرف بالحزم والقوة المطلوبة» حفاظا على علاقاتها مع المغرب، في مواجهة ما وصفه باحتمال وجود «خطة» تستهدف سبتة إلى أن تصل إلى «سقوطها النهائي».
واعتبر رئيس المدينة أن الحكومة المركزية لم تقدم الاستجابة المناسبة لما وصفه بـ«الهجوم على وحدة الأراضي» الإسبانية، محذرا من أن سبتة توجد في وضع «عالي المخاطر» على مستويات الأمن، وعمل الخدمات، والتعايش والأمن الوطني.
وانتقد فيفاس ما وصفه بمحاولة الحكومة «تجميل» حقيقة الوضع خلال الأيام الأولى من شهر غشت، عندما أعلنت عودة الحياة إلى طبيعتها خلال 48 ساعة، وأشارت إلى بقاء نحو 2500 شخص فقط من بين قرابة 80 ألف شخص، وفق روايته.
وأكد أن ما تلا ذلك اتسم، بحسب تعبيره، بـ«سلبية شبه مطلقة» في التعامل مع الوضع، مشددا على أن عودة سبتة إلى طبيعتها لا يمكن أن تتحقق، من وجهة نظره، إلا بإعادة الأشخاص الذين دخلوا إليها يومي 30 و31 يوليوز إلى المغرب.
وركز رئيس المدينة على ما اعتبره غيابا للمعلومات الدقيقة بشأن الوضع الحالي، قائلا إن السلطات، وبعد مرور نحو 20 يوما، لم تحدد هوية الأشخاص الذين ما زالوا في سبتة، ولا تعرف عددهم، كما لا تتوفر، وفق قوله، على معطيات بشأن عدد ملفات الترحيل التي جرى فتحها.
وأضاف أن الحكومة لم توضح كذلك الإجراءات التي ستتخذها لتعزيز حماية الحدود وضمان سلامة الأراضي الإسبانية، ولا التدابير المرتقبة لإعادة تنشيط المدينة على المستويين النفسي والاقتصادي.
وبحسب فيفاس، فإن مدريد تتوفر على الوسائل القانونية والإدارية اللازمة لإعادة الوضع إلى طبيعته خلال مدة لا تتجاوز 30 يوما، من خلال تطبيق القانون وإعادة جميع البالغين إلى بلدانهم.
وقدم رئيس سبتة تصورا عمليا لما يعتبره حلا للأزمة، موضحا أن تخصيص 50 موظفا من مصالح الأجانب، بمعدل إنجاز 15 ملفا لكل موظف يوميا، يمكن أن يتيح معالجة نحو 3750 ملفا أسبوعيا، أي ما يقارب 15 ألف ملف شهريا.
واعتبر أن تنفيذ هذه الإجراءات «ليس مهمة مستحيلة»، ملمحا مجددا إلى أن العقبة الأساسية تكمن في غياب الإرادة السياسية، ومتسائلا عن أسباب عدم الإقدام على هذه الخطوات.
كما دعا المغرب إلى التعاون في عمليات إعادة البالغين والقاصرين الذين دخلوا إلى سبتة، مطالبا في الوقت نفسه باتخاذ إجراءات موازية لإعادة تنشيط المدينة وتعزيز أمنها.
وفي مؤشر آخر على تصعيد خطابه، قال فيفاس إن سبتة، بالنظر إلى صغر مساحتها وطبيعة الوضع الذي تعيشه، أصبحت عمليا في «حالة استثنائية».
وأكد أنه لن يستسلم، وأن حكومة المدينة ستواصل الضغط على الحكومة المركزية، ملوحا باللجوء إلى البرلمان الإسباني والسلطة القضائية واتحاد البلديات والنقابات، فضلا عن المؤسسات الأوروبية.
واعتبر أن اللجوء إلى أوروبا يمثل بالنسبة لسبتة «مفتاحا وجوديا»، باعتبارها، إلى جانب مليلية، إحدى الحدود البرية للاتحاد الأوروبي مع إفريقيا.
واتهم فيفاس الحكومة الإسبانية كذلك بتغيير روايتها بشأن الأحداث، موضحا أنها تحدثت في البداية عن انتهاك لوحدة الأراضي الإسبانية، قبل أن تنتقل إلى وصف ما جرى بأنه مجرد «أزمة هجرة»، ثم أعلنت عودة الوضع إلى طبيعته خلال 48 ساعة، قبل أن تنتقل، وفق روايته، إلى تحميل المسؤولية للسلطات المحلية.
ورفض رئيس المدينة هذا الطرح، مؤكدا أن سبتة لم تعد إلى طبيعتها وأنها لا تزال تواجه مخاطر في ملفات أساسية، معتبرا أن حجم الأحداث لا يسمح بإلقاء المسؤولية على البلدية.
وفي المقابل، شدد فيفاس على تمسكه بما وصفه بـ«الوفاء المؤسساتي»، مؤكدا استعداد حكومته للتعاون مع مدريد وتوفير فضاءات إضافية لاستقبال المهاجرين إلى جانب مركز الإقامة المؤقتة، لكن في إطار التنسيق مع سكان المدينة.
وتأتي تصريحات فيفاس في سياق تصعيد متزايد للضغط على الحكومة المركزية، إذ لم يعد انتقاده مقتصرا على بطء الإجراءات، بل امتد إلى التشكيك في دوافع مدريد السياسية، خصوصا في ما يتعلق بعلاقتها مع المغرب، وهو ما ينقل الجدل حول أزمة سبتة من ملف الهجرة والتدبير المحلي إلى مستوى أوسع يرتبط بالأمن والعلاقات الإسبانية المغربية.