تشهد المملكة هذه الأيام حملة انتخابية تمتد من 10 إلى 22 شتنبر الجاري، غير أن المشهد الانتخابي في الحواضر يبدو مختلفا عن سابقيه، حيث لوحظ تراجع واضح في مظاهر التعبئة والتواصل الحزبي بالمدن، مقابل حركية لافتة في القرى والمناطق القروي.
مشهد انتخابي متباين بين المدن والقرى
صحيح أن الأحزاب السياسية نظمت تجمعات خطابية ونزلت إلى الشوارع في عدد من المدن، غير أن الأمر يبقى ضعيفا بالمقارنة مع الانتخابات الماضية، خاصة انتخابات 2021.
ففي المدن الكبرى، لوحظ أن الشوارع الرئيسية اكتفت بملصقات انتخابية متفرقة، دون تنظيم قوافل انتخابية تجوب الأحياء أو تجمعات شعبية واسعة.
وقد رصدت بلبريس عبر مراسليها في مختلف الجهات أن الحملة الانتخابية انطلقت ببطء، بين تراشق حزبي وفتور شعبي، حيث ظهر زعماء الأحزاب وتحرك المرشحون وفتحت المقرات أبوابها، لكن الشارع لم يبد معنيا بالقدر نفسه .
في المقابل، شهدت القرى والمناطق القروية حركية انتخابية أوضح، تمثلت في تنظيم قوافل انتخابية تجوب الدواوير، واجتماعات عامة في الساحات والقاعات، إضافة إلى زيارات منزلية يقوم بها المرشحون للتواصل المباشر مع السكان.
تجليات الحضور الحزبي بالمدن
رغم التراجع العام، لم يغب النشاط الحزبي تماما عن المدن. فقد نظم طكب تجمعا جهويا كبيرا بمراكش عشية انطلاق الحملة الرسمية، عرف حضورا جماهيريا مكثفا .
غير أن هذه الأنشطة، رغم أهميتها، تبقى محدود مقارنة بحجم الحضور الميداني الذي عرفته انتخابات 2021، حين كانت القوافل الانتخابية تجوب الأحياء وتنظم تجمعات شعبية واسع رغم القيود الصحية آنذاك .
تفسيرات متباينة للتراجع
تعددت قراءات هذا التراجع، فبينما يفسره كثيرون بأنه نتيجة لتزايد اعتماد الأحزاب على منصات التواصل الاجتماعي لإبلاغ برامجهم وإقناع الناخبين، رأى فيه آخرون أنه نتيجة لعزوف المواطنين عن الانتخابات والمشاركة في الحياة السياسية، وتخوف الأحزاب من الأمر الواقع، ما جعلها تتراجع في المدن نتيجة ارتفاع منسوب الوعي فيها مقارنة بالقرى.
ويرى أصحاب التفسير الأول أن التحول الرقمي دفع الأحزاب إلى نقل معركتها الانتخابية من الساحات إلى الشاشات، بحثا عن الناخب الشاب ونفقات أقل.
فيما يرى مخنصون أن المنظومة الانتخابية عرفت مستجدات تواكب التحولات التي شهدتها الممارسة الانتخابية، لاسيما مع تنامي دور شبكات التواصل الاجتماعي والوسائط الرقمية في التواصل السياسي وبناء صورة المرشحين .
في المقابل، يعتقد أصحاب التفسير الثاني أن العزوف السياسي المتزايد في المدن، خاصة لدى الشباب، يجعل الأحزاب تتجنب النزول الميداني خوفا من ضعف الحضور، فتفضل التركيز على القرى حيث لا تزال الروابط القبلية والعائلية والاجتماعية تشكل عاملا حاسما في حسم التصويت.
سياق مختلف عن 2021
يشار إلى أن الانتخابات التشريعية لسنة 2021 جرت في ظل جائحة كوفيد-19، وما رافقها من ظروف استثنائية أثرت في أنماط الحملة والتواصل مع الناخبين، كما تزامنت مع انتخابات مجالس الجماعات الترابية في اليوم نفسه، وهو ما كان له تأثير على طبيعة الحملات.
أما انتخابات 2026، فتجري في شروط تنظيمية وسياق سياسي مختلفين، مع مضاعفة الدعم العمومي المخصص للحملات الانتخابية الذي ارتفع إلى 450 مليون درهم مقابل 160 مليون درهم سنة 2021 .
ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحا حول قدرة الأحزاب على استعادة الحضور الميداني في المدن، خاصة أن ارتفاع منسوب الوعي فيها قد يعني مزيدا من المطالب ببرامج حقيقية وأسلوب تواصل جديد، بدل الاكتفاء بالشعارات والوعود.