قدمت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، الخطوط العريضة للبرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، أمام مجلسي البرلمان، مؤكدة أن المرحلة المقبلة ستقوم على سبع أولويات مترابطة، تشمل توطيد دولة الحق والقانون، ومحاربة الفساد والريع، وصيانة الهوية الوطنية وتماسك المجتمع، وترسيخ الدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب، وتأمين السيادة الاستراتيجية وتعزيز الإشعاع الدولي للمغرب، إلى جانب بناء اقتصاد قوي قادر على تمويل الطموح الاجتماعي والسيادي للمملكة.
واستهلت المنصوري عرضها بتجديد عبارات الشكر والامتنان للملك محمد السادس على الثقة الملكية بتعيينها رئيسة للحكومة، معتبرة أن هذا التعيين يشكل تشريفاً يجسد ما يوليه الملك للمرأة المغربية من تقدير. وأعربت، باسمها ونيابة عن نساء المغرب، عن الاعتزاز بهذه الثقة، والتزامها بتحمل مسؤوليتها خدمة للبلاد ومصالحها العليا.
وأوضحت رئيسة الحكومة أن البرنامج، الذي تقدمه طبقاً للفصل 88 من الدستور، يمثل تعاقداً سياسياً ومؤسساتياً يستند إلى الثقة الملكية وإرادة المواطنين التي عبروا عنها خلال الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، مشددة على أن معيار المسؤولية الحكومية يتمثل في النتائج المحققة وانعكاساتها على الحياة اليومية للمغاربة.
وأكدت أن الحكومة تدرك حجم المسؤولية ودقة المرحلة المقبلة، وتلتزم بالإنصات إلى المواطنين، والتصريح بالإمكانات والإكراهات بكل وضوح، وتحويل التعهدات إلى برامج قابلة للتنفيذ. وربطت نجاح هذا المسار بالتعاون مع البرلمان، واحترام أدواره التشريعية والرقابية والتقييمية، وحسن تدبير الزمن السياسي والتشريعي، بمشاركة الأغلبية والمعارضة، كل من موقعه.
وفي استعراضها للسياق العام الذي يأتي فيه البرنامج، اعتبرت المنصوري أن الولاية الحكومية الجديدة تشكل محطة فاصلة في المسار الإصلاحي الذي يقوده الملك محمد السادس منذ 27 سنة، والذي يجمع بين استقرار الدولة وتحديث المؤسسات وتوسيع الحقوق وانتظام الانتخابات وتداول المسؤولية.
وأبرزت أن دستور 2011 كرس الاختيار الديمقراطي، وربط تعيين رئيس الحكومة بنتائج الانتخابات، وأقر استقلال القضاء، وعزز مكانة البرلمان، وأقر مبدأ المناصفة، وكرس الحكامة والمشاركة المواطنة وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب تعزيز التوازن والتعاون بين السلط. كما فتحت الجهوية المتقدمة، بحسبها، آفاقاً واسعة أمام نموذج تنموي ينطلق من الجهات.
وأضافت أن هذا التراكم جعل المغرب يقدم نموذجاً يجمع بين الاستقرار والإصلاح، تقوم فيه الملكية الدستورية بدور ضمان استمرارية الدولة ووحدتها، فيما يشكل الاختيار الشعبي أساس تشكيل الأغلبية وتحمل المسؤولية.
وفي هذا الإطار، وضعت المنصوري الانتخابات التشريعية الأخيرة ضمن مسار ترسيخ الممارسة الديمقراطية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، مشيرة إلى أن المغاربة عبروا خلالها عن تطلعات واضحة تتعلق بحماية قدرتهم الشرائية، وفتح آفاق جديدة أمام الشباب، وتحسين المدرسة والمستشفى العموميين، وتقليص الفوارق المجالية، وضمان حاجيات البلاد من الماء والطاقة والغذاء.
وأكدت أن الأغلبية الحكومية ستعمل على تحويل هذه الانتظارات إلى سياسات واضحة، في إطار التعاون والتوازن بين السلط، والانفتاح على الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والترابيين.
وسجلت رئيسة الحكومة أن المغرب حقق إصلاحات ومشاريع كبرى، وعزز حضوره الإفريقي والدولي وقدرته على مواجهة الأزمات، غير أن ثمار التقدم لم تصل بالقدر نفسه إلى جميع الفئات والمجالات، إذ ظل التشغيل والقدرة الشرائية وجودة الخدمات والعدالة المجالية في صدارة انتظارات المواطنين.
ومن هذا المنطلق، شددت على ضرورة الانتقال من توسيع التغطية الاجتماعية إلى تحسين جودة الخدمات، ومن التركيز على حجم الاستثمار إلى قياس مردوديته، ومن تعدد البرامج إلى ضمان تكاملها وأثرها الملموس.
واعتبرت أن السنوات الخمس المقبلة تمثل فرصة للحفاظ على المكتسبات واستكمال الأوراش المفتوحة وتصحيح الاختلالات، مع توجيه موارد الدولة نحو أولويات يلمس المواطن أثرها في عمله ومعيشه وتعليم أبنائه وعلاجهم وسكنهم ومجالهم الترابي.
وتأتي هذه الولاية، وفق المنصوري، في سياق دولي يتسم بتراجع الاستقرار وتصاعد المنافسة، إذ تعيد التوترات الجيوسياسية رسم طرق التجارة والطاقة، وتؤدي السياسات الحمائية إلى إعادة توطين سلاسل الإنتاج، فيما يحدث التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي تغييرات في طبيعة المهن والقيمة المضافة، بالتزامن مع الضغوط المتزايدة التي يفرضها تغير المناخ على الماء والفلاحة والأمن الغذائي.
وأشارت إلى أن موقع المغرب القريب من الأسواق الأوروبية، وعمقه الإفريقي، وواجهته الأطلسية، واستقراره المؤسساتي، وبنياته الأساسية، وقاعدته الصناعية، كلها عوامل تؤهله لاستقطاب استثمارات جديدة، وتوسيع صادراته، والاندماج في القطاعات الصاعدة.
وأكدت أن مهمة الحكومة، إلى جانب مختلف الفاعلين، تتمثل في تحويل هذه المؤهلات إلى قوة دافعة لمواصلة طموح المغرب باعتباره قوة اقتصادية صاعدة، مع الحفاظ على التوازن والانسجام بين النمو الاقتصادي وتعزيز العدالة الاجتماعية.
وفي ما يتعلق بالمرجعيات المؤطرة للعمل الحكومي، أوضحت المنصوري أن البرنامج يستند إلى ثوابت الأمة، وفي مقدمتها الدين الإسلامي السمح، والملكية الدستورية الديمقراطية البرلمانية والاجتماعية، والوحدة الوطنية والترابية، والاختيار الديمقراطي، مع صيانة التعدد الثقافي واللغوي والحقوق والحريات والمساواة وتكافؤ الفرص.
وأكدت أن قضية الصحراء المغربية تظل في مقدمة القضايا الوطنية، مشيرة إلى أن الحكومة ستواصل، في امتداد ما وصفته بالمحطة المفصلية التي شكلها قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، الدفاع عن سيادة المملكة ووحدتها الترابية ومصالحها، وحشد الدعم لمبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، وتسريع تنمية الأقاليم الجنوبية باعتبارها بوابة للعمق الإفريقي والمجال الأطلسي للمملكة.
كما جددت تمسك الحكومة بالموقف الثابت للمغرب من القضية الفلسطينية والقدس الشريف، وبالتسوية السلمية القائمة على حل الدولتين من أجل تحقيق سلام عادل ودائم، تحت قيادة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين ورئيس لجنة القدس.
وأبرزت المنصوري أن التوجيهات الملكية السامية تشكل المرجعية الأولى للعمل الحكومي، مستحضرة دعوة الملك، في خطاب العرش لسنة 2026، إلى فتح دورة جديدة في المسار التنموي تقوم على تحصين المكتسبات ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى.
كما أشارت إلى التوجيهات الملكية المتعلقة بتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، ووضع الشباب في صدارة السياسات العمومية، والارتقاء بالقطاع الخاص إلى فاعل استراتيجي، وتسريع تحقيق الأمن المائي والطاقي والغذائي، ودعم الإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، مع التفعيل الكامل للجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.
وأكدت أن الحكومة ستسترشد بالنموذج التنموي الجديد وطموح مغرب 2035، القائم على اقتصاد منتج، ورأسمال بشري مؤهل، وإدماج أوسع، وتنمية ترابية مستدامة، ودولة فعالة تحرر الطاقات وتحمي المصلحة العامة.
وأضافت أن البرنامج يستند كذلك إلى تقييم التجارب السابقة، من خلال تثبيت مكتسبات الحماية الاجتماعية وإصلاح الصحة والتعليم والاستثمار والدعم والسكن والماء والطاقة والبنيات الأساسية، وتصحيح التعثرات المرتبطة بتحويل الاستثمار إلى فرص للشغل، وتحسين الخدمات وتحقيق الإنصاف.
كما يقوم البرنامج على تقارب مرجعيات أحزاب الأغلبية وبرامجها والتزاماتها الانتخابية، التي ستعمل الحكومة على تنفيذها تدريجياً، وفق الواقعية التنفيذية وضمان استدامة المالية العمومية.
وفي عرضها للأولويات السبع، أكدت المنصوري أن قضايا الشباب ستشكل خيطاً ناظماً لمختلف محاور البرنامج، ولن تقتصر على محور مستقل، إذ ستنعكس على المشاركة السياسية والمؤسساتية، والاستراتيجية الوطنية المندمجة للشباب، وجودة المدرسة العمومية والتوجيه والتكوين المهني، وتثبيت الفلاحين الشباب في الوسط القروي، وإدماج الشباب في صفقات المشاريع الكبرى وأوراش كأس العالم 2030، والتكوين في مهن الرقمنة، فضلاً عن تشجيع عودة الكفاءات وتقليص هجرة حاملي الشهادات العليا.
وأعلنت في هذا السياق أن الحكومة ستضع استراتيجية وطنية مندمجة لفائدة الشباب، تقوم على حكامة منسجمة وشاملة وتشاركية، وتحسين الإطار المؤسساتي، بما يضمن للشباب حقوقاً واضحة ومواكبة مستمرة وولوجاً أوسع إلى الفرص الاقتصادية.
وبخصوص الأولوية الأولى المرتبطة بتوطيد دولة الحق والقانون والمؤسسات، أكدت رئيسة الحكومة أن تكريس دولة الحق والقانون، وترسيخ الممارسة الديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان والحريات، يمثل شرطاً أساسياً لإعادة بناء الثقة في العمل العمومي والحياة السياسية.
وأوضحت أن الحكومة ستعمل على تعزيز هذه الثقة من خلال الحضور المؤسساتي، والتفاعل الإيجابي مع المقترحات البناءة للمعارضة، وتقوية المشاركة المواطنة.
وفي المجال القضائي، تعهدت بإطلاق برنامج لتحديث العدالة وتقريبها من المواطنين، بما يضمن الولوج العادل إلى القضاء ويعزز الأمن القانوني.
كما جددت التزام الحكومة بتعزيز حقوق الإنسان باعتبارها خياراً وطنياً ثابتاً، عبر مواصلة الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية، وتثمين الحصيلة الإيجابية للمغرب ودعم وتيرة الإنجازات، وإدماج بعد حقوق الإنسان في السياسات العمومية.
وشددت على أن الحكومة ستعمل كذلك على إرساء حكامة مؤسساتية دامجة ومنصفة، تضمن التمتع الفعلي بالحقوق والحريات، وتعزز الترابط بين الديناميات الوطنية والدولية.
وفي ما يتعلق بأوضاع المرأة، تعهدت الحكومة بمواصلة النهوض بحقوقها، وتعزيز المساواة وتكافؤ الفرص، وتمكينها اقتصادياً من خلال الشغل اللائق ودعم المبادرة والاستقلالية المالية، إلى جانب محاربة العنف ضد النساء، وضمان الحماية والمواكبة، وتوسيع مشاركتها في مراكز القرار، وتحسين ولوجها إلى التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، ولا سيما في الوسط القروي ولدى الفئات الهشة.
وعلى مستوى الجهوية المتقدمة، أعلنت المنصوري عن توجه لإحداث تحول نوعي في فلسفة تدبير الشأن الجهوي، من خلال مواصلة تنزيل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، خصوصاً عبر إعادة هندسة اختصاصاتها وفق منطق الوضوح والنجاعة، وتحديث آليات تنفيذ المشاريع على المستوى الجهوي.
كما تعتزم الحكومة تقوية الموارد المالية للجهات وتعزيز استقلاليتها، من خلال رفع حجم التحويلات المالية لفائدتها إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداء من سنة 2027.
وأضافت أن العمل سيتواصل لتعميم عقود البرامج بين الدولة والجهات وربطها بأهداف واضحة في مجالات التشغيل والاستثمار وتقليص الفوارق. كما ستعمل الحكومة على تسريع التنفيذ الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري، ومواكبة ورش الجهوية المتقدمة، وكسب رهان التنمية الترابية المندمجة.
وفي هذا الإطار، سيشكل تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة أحد المرتكزات الأساسية للبرنامج الحكومي، باعتباره إطاراً تنتظم فيه السياسات العمومية المجالية خلال السنوات المقبلة، بما يعزز أثرها الملموس في حياة المواطنات والمواطنين.
أما الأولوية الثانية، المتعلقة بمحاربة الفساد والريع وتخليق الحياة العامة، فقد أكدت المنصوري أن المؤسسات لن تستعيد ثقة المواطنين دون مواجهة فعلية للفساد وتضارب المصالح.
وأعلنت أن الحكومة ستعمل على استكمال المنظومة الوطنية للنزاهة، خصوصاً من خلال تجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح تطبيقاً للفصل 36 من الدستور، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، وتجريم إفشاء المعلومات بهدف الحصول على امتيازات.
كما تعتزم إطلاق إصلاح هيكلي لتنظيم الأسواق ومحاربة الاحتكار والوساطة الانتهازية، عبر إحداث آلية مخصصة وتوفير الوسائل الملائمة، بتنسيق مع مجلس المنافسة.
وفي مجال الصفقات العمومية، ستضع الحكومة آليات لفحص الصفقات والتحقيق في حالات التواطؤ في طلبات العروض، مع تحويل الطلبية العمومية إلى رافعة للإنتاج والإدماج الاقتصادي، من خلال إلزام أصحاب الصفقات قانونياً بتخصيص 30 في المائة من قيمتها للمقاولات المغربية الصغرى والمتوسطة.
وفي ما يخص الأولوية الثالثة، المتعلقة بصيانة الهوية والمواطنة وتماسك المجتمع، أوضحت رئيسة الحكومة أن هذا المحور يقوم على حماية الهوية المغربية الجامعة، وترسيخ قيم التضامن بين الفئات والأجيال والجهات، والحفاظ على الأسرة باعتبارها أساس التوازن المجتمعي.
وأكدت أن الحكومة ستواصل تفعيل إصلاح مدونة الأسرة في ضوء توجيهات أمير المؤمنين، وستعتمد سياسة مندمجة للطفولة والشباب والمسنين، مع ضمان حماية النساء والأطفال وحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة.
كما ستعمل على تقوية المؤسسات الدستورية المعنية بالحقوق والمساواة والمناصفة، ووضع سياسة متكاملة لتمكين النساء والحد من التمييز.
وفي السياق نفسه، تعهدت الحكومة بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وتجديد الشراكة مع المجتمع المدني عبر تبسيط مساطر الترخيص للجمعيات وتفعيل الحق في الحصول على المعلومة.
وبخصوص تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، أعلنت المنصوري عن إحداث صندوق خاص باعتمادات مالية تبلغ ملياري درهم، إلى جانب إنشاء لجنة وزارية دائمة لدى رئيسة الحكومة لتتبع إدماج الأمازيغية في التعليم والإدارة والقضاء والإعلام والتواصل العمومي، مع نشر مؤشرات التغطية في تقرير سنوي.
كما يشمل البرنامج الحفاظ على التراث، وتوسيع الولوج إلى الثقافة وفق مبدأ الإنصاف المجالي، وتعزيز مساهمة القطاع الثقافي في التنمية والجاذبية السياحية والاستدامة.
وأكدت المنصوري أيضاً أن الحكومة ستضع سياسة دامجة لمغاربة العالم، تروم ضمان مشاركتهم المواطنة، واستمرار التواصل معهم والاستجابة لحاجياتهم، وتيسير مساهمتهم في تنمية وطنهم.
وفي محور ضمان العيش الكريم وترسيخ الدولة الاجتماعية، الذي يمثل الأولوية الرابعة، أعلنت رئيسة الحكومة عن استراتيجية لمواجهة ارتفاع كلفة المعيشة، تقوم على تعزيز دخل الأسر، وضبط أسباب الغلاء، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وضمان خدمات عمومية ذات جودة.
ولإعادة أسعار المواد الغذائية إلى مستويات معقولة، ستعمل الحكومة على وضع خطط لتموين السوق بالمنتجات الاستراتيجية، وتقريب المنتج من المستهلك عبر شركات جهوية ومنصات مهنية للتجميع والتسويق، وفق دفتر تحملات موحد.
كما ستعمل على إصلاح مسالك تسويق اللحوم والأسماك، وضبط العلاقة بين التصدير وتموين السوق الوطنية وفق قواعد معلنة ومستقرة، بهدف ضمان التوازن بين متطلبات الأسواق الخارجية وحاجيات المستهلك المغربي.
وفي إطار تخفيف الأعباء المالية عن الأسر المستحقة، تعهدت المنصوري بإقرار تعويض اجتماعي تلقائي يعادل فاتورة الكهرباء الشهرية التي لا تتجاوز 100 درهم عن المسكن الرئيسي، دون الحاجة إلى تقديم طلب ورقي أو التنقل إلى الإدارات.
وأعلنت كذلك عن إطلاق إصلاح تدريجي للضريبة على الدخل، بهدف رفع الدخل الصافي للأجراء وتشجيع التشغيل المصرح به، مع تسريع تنزيل الورش الملكي للحماية الاجتماعية، لتحقيق تغطية صحية شاملة وفعلية وضمان استدامة التأمين الإجباري عن المرض.
وفي ما يتعلق بالدعم الاجتماعي المباشر، أوضحت أن الحكومة ستعيد استهداف المستفيدين على أساس الدخل الفعلي للأسر، وستعمل على رفع قيمة الدعم من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، مع تحويله إلى رافعة للإدماج الاجتماعي، وتوسيع الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل.
وبخصوص إصلاح أنظمة التقاعد، كشفت المنصوري عن عزم الحكومة إطلاق إصلاح شامل، في إطار التشاور مع الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين، مؤكدة أن هذا الورش لا يمكن اختزاله في تعديل سن التقاعد أو مراجعة نسب الاشتراك وطريقة احتساب المعاشات.
وأوضحت أن التحدي الحقيقي يتمثل في إعادة بناء منظومة متماسكة، وتوسيع الحماية لتشمل الأشخاص الذين لا يتوفرون على معاش، وتقريب الحقوق والواجبات بين مختلف الأنظمة، وضمان كفاية المعاشات واستدامة تمويلها، ضمن انتقال عادل يحافظ على الحقوق المكتسبة.
وأكدت أن الحكومة ستتعامل مع إصلاح التقاعد باعتباره ورشاً اجتماعياً وهيكلياً متكاملاً، يؤطره الحوار الاجتماعي، وتحدد أهدافه ومراحل تنزيله والتمويلات اللازمة له.
وشددت على أن نجاعة نظام التقاعد لا تقاس فقط بقدرته على أداء المعاشات في مواعيدها، بل أيضاً بمدى كفاية المبالغ التي يحصل عليها المتقاعدون، وهو ما يفرض، بحسبها، ربط الإصلاح بتحسين ملموس لدخل هذه الفئة.
وفي هذا الإطار، أعلنت عن الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهرياً في مختلف أنظمة التقاعد.
كما تعهدت بتمكين الأرملة من معاش كامل يعادل 100 في المائة من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى، عوض الاقتصار على نسبة 50 في المائة المعمول بها حالياً، مع الحفاظ على حقوق الأيتام وباقي ذوي الحقوق.
وعلى مستوى القطاع الصحي، أكدت رئيسة الحكومة أن المرحلة المقبلة ستعرف انتقالاً من تعميم الحق في التغطية الصحية إلى ضمان الولوج الفعلي والعادل والمستمر إلى خدمات صحية ذات جودة.
وحددت ضمن التدابير المقررة تغطية الخصاص الترابي في العرض الصحي، ومأسسة مسلك العلاج، وإصلاح استقبال المرضى ومصالح الاستعجالات، وتعميم خدمة المساعدة الطبية المستعجلة.
كما ستعمل الحكومة على إرساء منظومة معلوماتية صحية وطنية موحدة، بالتوازي مع استكمال الإصلاح المؤسساتي، والعناية بالوظيفة العمومية الصحية، وتعزيز الموارد البشرية، بهدف تحسين جودة الخدمات وضمان استفادة المواطنين منها بصورة فعلية ومنصفة.
وفي مجال التربية والتعليم العالي والبحث العلمي والتكوين المهني، اعتبرت المنصوري أن الارتقاء بالمنظومة الوطنية يشكل إحدى الأولويات الأساسية للحكومة، مؤكدة أن الرهان لا يقتصر على توسيع الولوج إلى التعليم، بل يمتد إلى إحداث تحول عميق ومندمج في منظومة التربية والتكوين، بما يتيح إعداد جيل مؤهل ومبتكر وقادر على التكيف مع التحولات الوطنية المتسارعة وتقلبات الاقتصاد العالمي.
وأعلنت أن الحكومة تستهدف رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية إلى 80 في المائة على الأقل في أفق سنة 2031.
ولتحقيق هذا الهدف، ستواصل الحكومة تطوير وتعميم نموذج مؤسسات الريادة، وإعداد مرجع وطني ملزم للتعلمات والكفايات الأساسية، واعتماد تقييمات تشخيصية منتظمة، وتعزيز الدعم التربوي والمواكبة الفردية للتلاميذ، مع توظيف الوسائل الرقمية لتتبع تطور مكتسباتهم وتحسين جودة التعلمات.
كما وضعت الحكومة هدف «صفر انقطاع عن الدراسة» في أفق سنة 2030، من خلال اعتماد مقاربة وطنية مندمجة تقوم على الرصد المبكر للتلاميذ المهددين بالانقطاع، والتتبع الفردي لمساراتهم، وتوجيه كل تلميذ منقطع نحو حل بديل وملائم، سواء عبر إعادة الإدماج في التعليم أو الالتحاق بالتكوين المهني أو الاستفادة من التكوين بالتدرج.
وفي إطار استكمال أسس الدولة الاجتماعية، أعلنت المنصوري أن الحكومة ستعتمد، خلال الفترة 2026-2031، سياسة متكاملة للسكن والتعمير وإعداد التراب وسياسة المدينة، تقوم على الانتقال من مقاربة تركز أساساً على إنتاج الوحدات السكنية إلى مقاربة تستهدف توفير سكن ملائم، وخفض كلفته على الأسر، وتحسين جودة الأحياء، وتقريب السكن من فرص الشغل والنقل والخدمات، وتقليص الفوارق بين المجالات الترابية.
وستعمل الحكومة على توجيه السياسة السكنية وفق حاجيات الأسر والمجالات، ومواصلة دعم التملك مع زيادة العرض السكني، وإحداث عرض وطني للسكن المخصص للكراء، وتطوير حلول سكنية لفائدة موظفي القطاعات التي تواجه صعوبات في الاستقطاب.
كما تعهدت باستكمال القضاء على السكن غير اللائق، ووضع برنامج متكامل للسكن القروي والبناء الذاتي الآمن.
وفي هذا السياق، أعلنت عن إطلاق برنامج للسكن القروي يستهدف تأهيل أو بناء 100 ألف مسكن خلال الولاية الحكومية، ولا سيما في المراكز القروية الصاعدة، مع منح دعم مباشر بقيمة 40 ألف درهم للأسرة المؤهلة، وتوفير مواكبة تقنية مجانية.
ولمواكبة هذا البرنامج، ستعمل الحكومة على إخراج قانون للتعمير بالوسط القروي، يروم تبسيط مساطر التعمير والبناء من خلال وثائق مرنة تغطي الدواوير، وتسوية وضعية المباني القائمة متى ثبتت سلامتها واحترامها لحقوق الغير.
أما الأولوية الخامسة، المتعلقة بإدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل اللائق، فقد استندت في عرض المنصوري إلى معطيات تشير إلى وجود نحو 2.9 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج التعليم والتكوين والشغل، فيما تبلغ بطالة الفئة العمرية بين 15 و24 سنة 29.2 في المائة، ويغادر نحو 300 ألف تلميذ الدراسة سنوياً دون تأهيل.
واعتبرت أن هذه الأوضاع تستدعي اعتماد سياسة مندمجة تواكب مسار الشباب نحو الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا الإطار، أعلنت الحكومة أنها ستطلق، ابتداء من سنة 2027، برنامجاً وطنياً للمواكبة الاجتماعية الترابية، يتيح تكوين 100 ألف شاب سنوياً وفق حاجيات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف شاب سنوياً من أول تجربة مهنية، ورفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفاً و200 ألف مستفيد سنوياً.
كما تعتزم الحكومة مواكبة 60 ألف مقاولة لضمان تطورها واستمرارها، من خلال الاحتضان وتسهيل التمويل والضمان والولوج إلى الأسواق والصفقات العمومية.
وتتضمن التدابير المعلنة كذلك إتاحة حركية قانونية للشباب عبر اتفاقيات مع الدول التي تحتاج إلى بعض المهن، وتفعيل جواز الحركية المهنية لدعم الأشخاص الذين يجدون فرص عمل خارج مناطق إقامتهم، مع إحداث برنامج لمساكن الكراء بأسعار مناسبة.
وفي الأولوية السادسة، المرتبطة بتأمين السيادة الاستراتيجية وتكريس الإشعاع الدولي، أكدت المنصوري أن التحولات العالمية تفرض اعتماد مقاربة شاملة تشمل الأمن المائي والغذائي والطاقي والبيئي، إلى جانب مواجهة المخاطر الجيوستراتيجية والرقمية والعلمية الناشئة.
وفي مجال السيادة الطاقية، تعهدت الحكومة بتسريع برنامج تطوير الطاقات المتجددة، بهدف رفع حصتها إلى أكثر من 52 في المائة من المزيج الطاقي في أفق سنة 2030.
كما وضعت ضمن أولوياتها تنزيل عرض المغرب للهيدروجين الأخضر، والتنزيل التدريجي لخارطة طريق البنية التحتية للغاز، وترشيد الطلب المتزايد على الطاقة وعقلنته من خلال تدابير النجاعة الطاقية.
أما في مجال الأمن المائي، فتقوم الاستراتيجية الحكومية على تنويع العرض المائي وتقويته، من خلال مضاعفة إنجاز السدود، خصوصاً في المناطق الجافة وشبه الجافة والجبلية والواحات.
كما ستعمل الحكومة على تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر، بهدف تعبئة 1.8 مليار متر مكعب في أفق سنة 2031، إلى جانب إنجاز مشاريع تحويل المياه بين الأحواض والجهات عند الضرورة، دون المساس بالتوازنات المائية للمناطق المعنية.
ولضمان استدامة الأمن المائي، تعهدت بإعداد مخطط وطني للماء يشكل إطاراً استراتيجياً لتوجيه السياسة المائية على المدى الطويل، مع مراعاة الخصوصيات الطبيعية والمناخية والاقتصادية والاجتماعية، وضمان التكامل بين السياسات العمومية المرتبطة بالماء والفلاحة والطاقة والبيئة وإعداد التراب.
وفي ما يتعلق بالأمن الغذائي، أعلنت المنصوري عن الانتقال من الدعم الظرفي إلى التحكم في عوامل الإنتاج، من خلال برنامج للسيادة في البذور يستهدف رفع حصة البذور الوطنية من 20 في المائة إلى 50 في المائة خلال الولاية الحكومية.
كما ستعمل الحكومة على تأمين المخزونات وتموين السوق، ومراجعة مخزون الحبوب، وضبط صادرات السلاسل الحساسة.
وتشمل الإجراءات المقررة دعم إعادة تكوين القطيع، عبر تسهيل ولوج صغار الكسابة إلى السلالات عالية الإنتاجية، ودعم السلالات المحلية، وتقوية اليقظة الوبائية والصحية.
وفي مجال السيادة الرقمية، تعهدت الحكومة بوضع آلية وطنية مندمجة للأمن السيبراني وحماية البيانات والأنظمة الحيوية، وتوسيع الولوج إلى الإنترنت، خاصة في المناطق النائية، وإعداد إطار للذكاء الاصطناعي الآمن والمسؤول.
كما ستعمل على توفير الظروف الملائمة لجذب الاستثمارات ودعم المقاولات الناشئة المبتكرة، وتعزيز السيادة الصناعية وموقع المغرب في سلاسل القيمة، من خلال تفعيل المبادرات الملكية الإفريقية والأطلسية، وتطوير الممرات البحرية واللوجستية والطاقية، ودعم المهن الجديدة والصناعات منخفضة الكربون.
وتنفيذاً للتوجيهات الملكية، أعلنت المنصوري أن الحكومة ستعمل على توفير شروط إرساء قاعدة صناعية وتكنولوجية دفاعية، عبر تحسين الإطار القانوني وتعزيز التنافسية وتوفير التحفيزات اللازمة.
كما ستعمل على تكوين أسطول بحري تجاري وطني قوي وتنافسي، وتسريع المشاريع المينائية الكبرى والمناطق اللوجستية والصناعية المرتبطة بها.
أما الأولوية السابعة، المتعلقة ببناء اقتصاد قوي قادر على تمويل الطموح الاجتماعي والسيادي، فقد أكدت رئيسة الحكومة أنها تتطلب تحقيق نمو ينتج قيمة مضافة عالية ويوفر فرص الشغل.
وفي هذا الإطار، تعتزم الحكومة تحقيق توازن أكبر بين الإنتاج والخدمات، وتنويع الاقتصاد، وامتلاك التكنولوجيا، وتسريع التحول الطاقي، وتعزيز السيادة الرقمية والعلمية، وتقوية الصناعة والمنتوج الوطني بهدف تعويض الواردات، خاصة المنتجات تامة الصنع.
كما ستعمل على تقوية الاستثمار في البنيات الأساسية والاستراتيجيات الإنتاجية، ومواصلة تحديث الفلاحة، وإطلاق خارطة طريق سياحية للفترة 2027-2030، بهدف بلوغ 26 مليون سائح بحلول سنة 2030، إلى جانب تطوير التعاونيات والاقتصاد الاجتماعي والتضامني واقتصاد الرياضة.
وفي ما يتعلق بالاستثمار، وضعت الحكومة هدف رفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني، من خلال مواصلة تفعيل ميثاق الاستثمار، وتسريع المشاريع المتعاقد بشأنها، ومواصلة إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، ومواكبة المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، وتيسير الولوج إلى التمويل والضمان والصفقات العمومية.
وأكدت المنصوري أن الحكومة ستعمل، بالتعاون مع القطاع المالي، على توسيع التمويلات البنكية وغير البنكية الموجهة إلى الاستثمار المنتج والمشاريع الكبرى والابتكار والتصنيع والتصدير، وتعبئة الادخار الوطني، خاصة الادخار المؤسساتي، وإنعاش الأسواق المالية وفق التوجيهات الملكية.
ونظراً للدور الذي يضطلع به القطاع العمومي في تنزيل الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، تعتزم الحكومة الرفع من وتيرة إعادة هيكلة المحفظة العمومية، بما يتيح معالجة الوضعية المالية للمؤسسات والمقاولات العمومية.
وعلى المستوى الاقتصادي والمالي، أعلنت المنصوري عن تبني مسار اقتصادي إرادي وواقعي يستهدف تحقيق متوسط نمو سنوي بنسبة 5 في المائة خلال الفترة 2027-2031، والحفاظ على التضخم في حدود 2 في المائة سنوياً، حماية للقدرة الشرائية وتعزيزاً للاستقرار الاقتصادي.
كما تعهدت الحكومة بضبط عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي طيلة الفترة 2026-2031، من خلال توسيع الوعاء الضريبي، وتحسين نجاعة الإنفاق في إطار إصلاح القانون التنظيمي للمالية، والاستفادة من أثر النمو الاقتصادي، وزيادة مساهمة المؤسسات والمقاولات العمومية.
وفي ما يتعلق بالمديونية العمومية، أعلنت رئيسة الحكومة عن التوجه نحو وضعها في مسار تنازلي، لتبلغ ما يقارب 62 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول سنة 2031.
وفي ختام عرضها للبرنامج الحكومي، أكدت المنصوري أن تنفيذه يشكل مسؤولية حكومية تسندها رقابة البرلمان وتقييمه، إلى جانب مساهمة القوى الوطنية والإعلام.
وشددت على أن الحكومة ستكون في خدمة جميع المغاربة، بمختلف فئاتهم واختياراتهم السياسية، معتبرة أن الأمانة الحكومية تتعلق بالوطن بأكمله، وليست حكراً على فئة أو توجه سياسي معين.
وفي هذا السياق، أعلنت مد يدها إلى الأغلبية والمعارضة والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين والمجتمع المدني والحقوقي والإعلامي، وكافة الكفاءات الوطنية، مؤكدة التزامها بإبقاء الحوار مفتوحاً أمام المقترحات الجادة والنقد البناء.
والتمست رئيسة الحكومة ثقة مجلس النواب، معربة عن تطلعها إلى تعاون مختلف مكونات المؤسسة التشريعية من أجل بناء مغرب أكثر عدلاً وفرصاً وتماسكاً وإشعاعاً، تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس.