المحكمة الدستورية تفتح ملف “الميركاتو” وتهدد مقاعد برلمانيين

لم تنتهِ تداعيات الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر الماضي بمجرد إعلان النتائج النهائية، إذ بدأت الطعون الانتخابية تجد طريقها إلى المحكمة الدستورية، وسط ترقب لما قد تسفر عنه الملفات المتعلقة ببرلمانيين غيّروا انتماءاتهم الحزبية دون تسوية وضعيتهم داخل أحزابهم الأصلية.

وتتركز الأنظار بشكل خاص على حالات برلمانيين ترشحوا باسم أحزاب جديدة، بينما ظلوا يحتفظون، في الوقت نفسه، بمسؤوليات انتدابية حصلوا عليها باسم تنظيماتهم السياسية السابقة، سواء داخل المجالس الجماعية أو الجهات أو الغرف المهنية. وهي وضعية قد تفتح الباب أمام الطعن في صحة انتخابهم، بالنظر إلى المقتضيات القانونية والاجتهاد القضائي للمحكمة الدستورية في هذا المجال.

وتزداد الإشكالية تعقيداً في الحالات التي تقدم فيها المنتخب المعني بطلب استقالة من حزبه السابق، لكنه لم يحصل على موافقة صريحة عليها، أو لم تتم تسوية وضعية المهام الانتدابية التي يشغلها باسم الحزب ذاته. إذ إن بعض الأمناء العامين رفضوا طلبات استقالة تقدم بها برلمانيون ومنتخبون سعوا إلى خوض الانتخابات التشريعية بألوان سياسية مغايرة، بينما اختار آخرون عدم الرد عليها.

ويرتبط جانب من هذا الجدل بشروط الاستقالة المنصوص عليها في الأنظمة الأساسية للأحزاب، والتي قد تتطلب، في بعض الحالات، تسوية الالتزامات المرتبطة بالعضوية أو بالمهام التمثيلية والانتدابية التي تقلدها المعني بالأمر باسم الحزب.

غير أن الوضع القانوني لا يبدو موحداً في جميع الحالات، خصوصاً أن المحكمة الدستورية سبق أن ميزت بين وضعيات مختلفة. فقد اعتبرت في قرارات سابقة أن استقالة البرلماني من الحزب، عندما لا يكون مرتبطاً بمهمة انتدابية باسم ذلك الحزب، يمكن إثباتها من خلال وثيقة مكتوبة وإثبات توصل الحزب بها، دون أن يكون قبول الاستقالة من طرف الحزب شرطاً لازماً.

لكن الإشكال يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بمنتخب انتقل إلى حزب آخر، في الوقت الذي يواصل فيه شغل منصب انتدابي باسم الحزب الأول. ففي هذه الحالة، تطرح مسألة الانتماء السياسي المزدوج نفسها بقوة أمام القضاء الدستوري، خاصة في ضوء القواعد التي تمنع الشخص من الانتماء إلى أكثر من حزب سياسي في الوقت نفسه.

وتنص الفقرة الرابعة من المادة 24 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب على عدم قبول لوائح الترشيح التي تتضمن أسماء أشخاص ينتمون إلى أكثر من حزب سياسي واحد، بينما تؤكد المواد 21 و22 و28 من القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية قواعد الانتماء الحزبي وحق العضو في الانسحاب من الحزب، إلى جانب اشتراط النزاهة في المرشحين.

 

وتكتسب هذه المقتضيات أهمية خاصة مع بدء المحكمة الدستورية في النظر في الطعون المرتبطة بالانتخابات الأخيرة، لاسيما أن سوابقها القضائية أظهرت إمكانية تجريد منتخبين من مقاعدهم عندما ثبت استمرار ارتباطهم السياسي والانتدابي بحزب سابق، بالتزامن مع ترشحهم باسم حزب آخر.

وفي إحدى القضايا السابقة، خلصت المحكمة إلى أن منتخباً ترشح وفاز في انتخابات إحدى الغرف المهنية باسم حزب، قبل أن يخوض الانتخابات التشريعية باسم حزب سياسي آخر، ظل مرتبطاً في الواقع بالحزب الأول بحكم استمراره في ممارسة مهمة انتدابية باسمه. واعتبرت المحكمة أن مجرد تقديم الاستقالة لا يكفي إذا لم تتم مراعاة المقتضيات القانونية التي تفرض وضوحاً ونزاهة في الموقف السياسي للمرشح.

وشدد الاجتهاد الدستوري في هذه النازلة على أن شرط النزاهة، المنصوص عليه في المادة 28 من القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية، لا يقتصر على طرف دون آخر، بل يشمل مختلف المتدخلين في العملية الانتخابية، وفي مقدمتهم المرشحون الراغبون في تمثيل المواطنين داخل المؤسسات المنتخبة.

وبناء على ذلك، اعتبرت المحكمة في القرار المذكور أن استمرار المعني بالأمر في الانتماء إلى حزب انتخب باسمه في الغرفة المهنية، مقابل انتخابه في مجلس النواب باسم حزب سياسي آخر، جعله منتمياً إلى حزبين في آن واحد، وهو ما أدى إلى إلغاء انتخابه.

 

وتعيد هذه السابقة فتح النقاش حول ما بات يعرف بـ«الميركاتو الانتخابي»، خصوصاً أن انتقال بعض المنتخبين بين الأحزاب لا يقتصر على تغيير بطاقة الانتماء، وإنما قد يتقاطع مع استمرارهم في ممارسة مسؤوليات انتدابية حصلوا عليها خلال استحقاقات سابقة باسم أحزابهم الأصلية.

ومع وصول الطعون الجديدة إلى المحكمة الدستورية، سيكون الحسم مرتبطاً بكل ملف على حدة، وبالوثائق التي تثبت وضعية المعنيين، وتاريخ الاستقالة، ومدى توصل الأحزاب بها، فضلاً عن طبيعة المهام الانتدابية التي ظل المنتخبون يشغلونها بعد تغيير انتمائهم السياسي.

وبذلك، قد لا يكون إعلان النتائج النهائية للانتخابات التشريعية هو الفصل الأخير في معركة المقاعد البرلمانية، إذ يمكن للأحكام والقرارات التي ستصدر عن المحكمة الدستورية أن تعيد رسم جزء من الخريطة البرلمانية، في حال ثبتت مخالفات قانونية مؤثرة على صحة بعض الترشيحات والانتخابات.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *