حضر حزب التقدم والاشتراكية في التشكيلة الحكومية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، التي عُينت من طرف الملك محمد السادس، بثلاثة أسماء تحمل تجارب متفاوتة في العمل السياسي والتدبير الحكومي والبرلماني، ويتعلق الأمر بنبيل بنعبد الله، الذي أُسندت إليه حقيبة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، ورشيد حموني، المكلف بالإدماج الاجتماعي، وشرفات أفيلال، التي تولت وزارة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة.
ويأتي دخول الحزب إلى الأغلبية الحكومية في أعقاب الانتخابات التشريعية الأخيرة، ليضع قياداته أمام تحدي الانتقال من المواقف والبرامج السياسية إلى تدبير القطاعات العمومية، في ظل انتظارات اجتماعية واقتصادية متزايدة، خاصة في مجالات التعليم والإدماج الاجتماعي والانتقال الطاقي.
نبيل بنعبد الله.. من تدبير قطاعات حكومية إلى إصلاح التعليم
يعود نبيل بنعبد الله إلى المسؤولية الحكومية من بوابة قطاع التعليم، الذي يواجه تحديات ترتبط بجودة التعلمات، وتقليص الفوارق بين المجالات، وتطوير التكوين المهني، وتعزيز فرص الشباب في الاندماج بسوق الشغل.
ويعد بنعبد الله من أبرز قيادات حزب التقدم والاشتراكية، الذي يتولى أمانته العامة منذ سنة 2010، بعدما راكم تجربة سياسية وحكومية ودبلوماسية امتدت لسنوات. وُلد بالرباط في 3 يونيو 1959، وتابع دراسته بفرنسا، حيث حصل سنة 1985 على شهادة عليا في مجال اللغات والحضارات الشرقية من المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية بباريس.
وبدأ مساره في العمل السياسي من داخل التنظيمات الطلابية والحزبية، قبل أن يتقلد مسؤوليات قيادية داخل الحزب. كما تولى وزارة الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة بين سنتي 2002 و2007، ثم شغل منصب سفير المغرب بإيطاليا، قبل عودته إلى الحكومة سنة 2012 وزيرا للسكنى والتعمير وسياسة المدينة، وهو القطاع الذي ارتبط به خلال مرحلة من مساره الحكومي، مع توليه لاحقا حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة.
وتضعه مسؤوليته الجديدة أمام ملف مختلف من حيث طبيعة التحديات وحجم الانتظارات، إذ يرتبط التعليم مباشرة بمستقبل الأجيال وبفرص الحراك الاجتماعي. وسيكون تحسين جودة المدرسة العمومية، والحد من التفاوتات في الولوج إلى التعليم، وتطوير التكوين المهني وملاءمته مع حاجيات سوق الشغل، من أبرز الملفات المطروحة على القطاع.
كما تكتسي هذه المهمة أهمية خاصة بالنظر إلى تعدد المتدخلين في المنظومة التعليمية، من أسر وأطر تربوية ونقابات وفاعلين مؤسساتيين، وما يفرضه ذلك من تنسيق بين الإصلاحات التربوية ومتطلبات التنفيذ على أرض الواقع.
رشيد حموني.. من المعارضة البرلمانية إلى تنفيذ السياسات الاجتماعية
ينتقل رشيد حموني من رئاسة فريق حزب التقدم والاشتراكية بمجلس النواب إلى المسؤولية الحكومية، بعدما راكم تجربة في العمل التشريعي ومراقبة العمل الحكومي ومناقشة السياسات العمومية.
وينحدر حموني من إقليم بولمان، الذي مثله برلمانيا، كما فاز بمقعد نيابي عن حزب التقدم والاشتراكية خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2026، قبل أن يتولى مسؤوليات داخل الفريق النيابي للحزب، حيث انخرط في متابعة عدد من الملفات الاقتصادية والاجتماعية.
ويأتي تعيينه وزيرا منتدبا لدى وزيرة الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، مكلفا بالإدماج الاجتماعي، لينقله من موقع المساءلة البرلمانية إلى موقع تنفيذ البرامج والسياسات العمومية المرتبطة بالفئات التي تواجه أوضاع الهشاشة والإقصاء.
وتتجاوز مسؤولية الإدماج الاجتماعي مجرد إطلاق المبادرات الاجتماعية، لتشمل تحسين التنسيق بين البرامج الحكومية، وتوسيع استفادة الفئات المستهدفة من الخدمات العمومية، وتعزيز تكافؤ الفرص، والعمل على تجاوز الاختلالات التي تحد من اندماج بعض الفئات في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
ويظل التحدي الأساسي مرتبطا بمدى القدرة على تحويل التدخلات الاجتماعية إلى برامج مستدامة، تتيح للفئات المعنية فرصا أوسع للاستقلال الاقتصادي والمشاركة الاجتماعية، مع تعزيز التقائية تدخلات القطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية.
وبالنسبة إلى حزب التقدم والاشتراكية، تتيح هذه الحقيبة اختبار مدى قدرة أحد أبرز وجوهه البرلمانية على نقل التصورات المرتبطة بالعدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق إلى إجراءات عملية، يمكن قياس أثرها على المستفيدين وتقييم نتائجها.
شرفات أفيلال.. عودة حكومية عبر بوابة الطاقة والمعادن
تعود شرفات أفيلال إلى العمل الحكومي من خلال وزارة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، مستفيدة من تجربة سابقة في التدبير الحكومي، ارتبطت أساسا بقطاع الماء والملفات المتصلة بتدبير الموارد الطبيعية.
وتنتمي أفيلال إلى الوجوه النسائية المعروفة داخل حزب التقدم والاشتراكية، وسبق لها أن شغلت منصب كاتبة الدولة المكلفة بالماء خلال الولاية الحكومية التي ترأسها عبد الإله بنكيران، قبل مغادرة الحكومة سنة 2017.
ومكنها اشتغالها السابق على ملف الماء من الاحتكاك بقضايا تدبير الموارد الطبيعية والتحديات المرتبطة بالاستدامة، وهي ملفات تتقاطع مع جوانب من مسؤولياتها الجديدة، وإن كانت وزارة الطاقة والمعادن تطرح رهانات قطاعية أوسع تتعلق بالأمن الطاقي واستغلال الثروات المعدنية وتطوير مصادر الطاقة المتجددة.
وتواجه أفيلال مهمة تدبير قطاع استراتيجي يرتبط بتأمين حاجيات الاقتصاد الوطني من الطاقة، وتنويع مصادرها، وتحسين النجاعة الطاقية، إلى جانب تثمين الإمكانات المعدنية وتعزيز الاستغلال المستدام للموارد، بما يراعي المتطلبات البيئية.
وتتزايد أهمية هذه الملفات في ظل التحولات التي يعرفها المجال الطاقي، والحاجة إلى تعزيز مساهمة الطاقات المتجددة في المزيج الطاقي الوطني، وتشجيع الاستثمارات، وتحسين حكامة الموارد، بما يوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وحماية البيئة.
وتشكل عودة أفيلال إلى الحكومة محطة جديدة في مسارها السياسي، تضعها أمام ملفات تتطلب التنسيق بين الخيارات الاستراتيجية للدولة وإكراهات الاستثمار والتنمية، فضلا عن مواكبة التحولات المرتبطة بالانتقال الطاقي والاستدامة.
وبهذه الحقائب الثلاث، يدخل حزب التقدم والاشتراكية تجربة جديدة داخل الأغلبية الحكومية، تتوزع بين إصلاح التعليم، وتوسيع آليات الإدماج الاجتماعي، وتدبير رهانات الطاقة والمعادن. وستظل حصيلة وزرائه مرتبطة بمدى قدرتهم على تحويل التوجهات المعلنة إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وتحقيق نتائج ملموسة في قطاعات تمس بشكل مباشر الحياة اليومية للمواطنين.