يحمل حضور فوزي لقجع، العضو الجديد بالمكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، إلى مدينة أكادير أكثر من مجرد مشاركة في لقاء تواصلي تنظيمي للحزب، بالنظر إلى رمزية المكان وتوقيت التحرك وطبيعة المرحلة السياسية التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. فاختيار سوس ماسة لتكون منطلقا بارزا لتحركات لقجع الميدانية يضع هذه الخطوة في سياق سياسي أوسع، خصوصا أن المنطقة تعد واحدة من أبرز القلاع الانتخابية لحزب التجمع الوطني للأحرار ولرئيسه عزيز أخنوش.
وطغى حضور لقجع، صباح يوم الأحد بمدينة أكادير، على أشغال اللقاء التواصلي الذي نظمته الأمانة الجهوية لحزب الأصالة والمعاصرة بجهة سوس ماسة، بحضور عدد من أعضاء المكتب السياسي واللجنة الوطنية للانتخابات، إلى جانب برلمانيي الحزب ومنتخبيه بالجهة. وبينما كان اللقاء مخصصا في ظاهره لمناقشة الاستعدادات للاستحقاقات المقبلة وتعزيز التواصل مع المواطنين، فإن ظهور لقجع في مقدمة المشهد منح الاجتماع دلالة انتخابية وسياسية تتجاوز أجندته التنظيمية المعلنة.
فاللافت أن أولى التحركات الميدانية البارزة للقيادي الجديد في المكتب السياسي لـ”البام” تأتي من سوس، وهي منطقة ارتبط اسمها انتخابيا وسياسيا خلال السنوات الأخيرة بحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي تمكن من بناء حضور تنظيمي وانتخابي قوي فيها، كما أنها تمثل المجال السياسي الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة عزيز أخنوش. ومن هذه الزاوية، يصعب فصل توقيت ومكان تحرك لقجع عن الحسابات السياسية التي بدأت تفرض نفسها مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة.
ولقجع ليس اسما حزبيا عاديا داخل المعادلة السياسية الجديدة، فهو شخصية راكمت حضورا قويا في تدبير ملفات ومؤسسات ذات حساسية استراتيجية، كما أن موقعه داخل حزب الأصالة والمعاصرة، بعد التحاقه رسميا بالمكتب السياسي، يمنحه قدرة على التحرك في فضاءات تتجاوز الحدود التقليدية للعمل الحزبي. لذلك فإن انتقاله سريعا إلى العمل الميداني، واختياره سوس تحديدا، يمكن قراءته باعتباره رسالة سياسية ضمنية إلى مختلف الفاعلين، وفي مقدمتهم حزب التجمع الوطني للأحرار.
ولا تعني هذه الرسالة بالضرورة الدخول في مواجهة مباشرة مع الأحرار، بقدر ما تكشف عن رغبة “البام” في اختبار قدرته على توسيع حضوره داخل مجالات انتخابية ظلت محسوبة بدرجات متفاوتة على خصمه في الأغلبية. فحين يختار حزب الأصالة والمعاصرة أن يجعل من أكادير منصة لحضور قيادي بحجم لقجع، فإن الأمر يكتسب معنى إضافيا: الحزب لا يريد فقط تعبئة قواعده استعدادا للانتخابات، وإنما يريد أيضا أن يظهر أنه قادر على إعادة رسم الخريطة السياسية في مناطق ظلت لسنوات مرتبطة بوزن انتخابي وتنظيمي واضح لحزب أخنوش.
وتزداد دلالة هذه الخطوة بالنظر إلى أن لقجع نفسه ينحدر من المجال السوسي، ما يجعل حضوره في المنطقة قابلا للقراءة من زاويتين متداخلتين: الأولى مرتبطة بالانتماء المجالي والقدرة على مخاطبة النخب والمنتخبين والسكان من داخل فضاء يعرفه جيدا، والثانية مرتبطة بموقعه السياسي الجديد داخل “البام”. وهنا تحديدا تكمن قوة الرسالة؛ إذ إن الحزب لا يقدم لقجع فقط باعتباره وافدا جديدا على هياكله، بل باعتباره شخصية يمكن أن تتحول إلى رافعة سياسية وانتخابية في جهة ذات وزن استراتيجي.
وقد حرص عدد من قيادات “البام” خلال اللقاء على تقديم انضمام لقجع باعتباره إضافة إلى الممارسة الحزبية وانفتاحا على الكفاءات التي راكمت تجربة في تدبير المؤسسات والملفات الكبرى. غير أن القيمة السياسية لهذا الانضمام ستقاس عمليا بمدى قدرة لقجع على تحويل حضوره المؤسساتي والشخصي إلى حضور حزبي وميداني، وهو ما يبدو أن الحزب بدأ في اختباره من خلال دفعه إلى واجهة اللقاءات التواصلية في وقت مبكر.
ولم يكن النقاش داخل لقاء أكادير محصورا في الاستعداد الانتخابي بالمعنى التنظيمي الضيق، إذ حضرت بقوة مسألة استعادة الثقة بين الأحزاب والمجتمع، وتعزيز الحضور الميداني، والإنصات إلى المواطنين، مع تركيز خاص على الشباب. كما استحضرت المداخلات أحداث الهجرة الأخيرة نحو سبتة باعتبارها مؤشرا على اتساع الفجوة بين جزء من الشباب والمؤسسات السياسية، وعلى الحاجة إلى تطوير أدوات التواصل والإنصات وعدم انتظار المواسم الانتخابية للعودة إلى الشارع.
وهذه النقطة بدورها تمنح تحرك لقجع في سوس بعدا سياسيا إضافيا. فالجهة التي ينطلق منها التحرك ليست فقط خزانا انتخابيا مهما، وإنما فضاء يعيش بدوره تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية عميقة، وتوجد فيه فئات شابة لها انتظارات متزايدة من الأحزاب والمنتخبين. وبالتالي فإن الرهان لا يتعلق فقط بعدد المقاعد التي يمكن أن يحصدها “البام”، وإنما بقدرته على بناء خطاب ميداني ينافس به الخطاب الذي رسخه الأحرار في المنطقة خلال السنوات الماضية.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التحركات الأولى للقجع باعتبارها اختبارا مزدوجا: اختبارا لقدرة “البام” على استثمار شخصية جديدة وذات حضور واسع، واختبارا في الوقت نفسه لمدى صلابة النفوذ الانتخابي للأحرار في سوس. فكلما توسعت تحركات لقجع في المنطقة، وكلما انتقلت من اللقاءات التنظيمية إلى التواصل المباشر مع المنتخبين والفاعلين المحليين والمواطنين، ستتحول الرسالة من مجرد حضور سياسي إلى محاولة فعلية لإعادة ترتيب موازين القوى.
كما أن هذه التحركات تحمل، بشكل ضمني، رسالة إلى قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار مفادها أن المنافسة الانتخابية المقبلة لن تكون بالضرورة نسخة مطابقة للاستحقاقات السابقة، وأن الأحزاب بدأت منذ الآن في البحث عن وجوه قادرة على اختراق المجالات الانتخابية التي تبدو أكثر تحصينا. ووجود لقجع في هذا السياق قد يكون واحدا من رهانات “البام” على شخصيات قادرة على مخاطبة الناخب من خارج القوالب الحزبية التقليدية.
وفي المقابل، فإن أهمية هذه الخطوة ستظل مرتبطة بقدرة “البام” على تحويل حضور لقجع إلى دينامية تنظيمية مستدامة، لأن الرهان على الشخصية، مهما كان وزنها، لا يكفي وحده لبناء نفوذ انتخابي دائم. فالانتخابات تحتاج إلى تنظيمات محلية قوية، ومنتخبين، وشبكات تواصل، وخطاب مقنع، وقدرة على تحويل التعاطف أو الاهتمام إلى أصوات انتخابية. ولذلك فإن اللقاء الذي احتضنته أكادير كان، في جانب منه، مناسبة لقياس مدى جاهزية الحزب لتوظيف هذه الدينامية الجديدة.
وبذلك، فإن أكادير لم تكن مجرد محطة في أجندة تنظيمية لحزب الأصالة والمعاصرة، بل يمكن أن تكون بداية لمسار انتخابي أكثر طموحا للقجع، يحمل في خلفيته رسائل إلى الأحرار أكثر مما يعلن عنه الخطاب الحزبي المباشر. فاختيار سوس، بما تمثله من ثقل انتخابي ورمزية سياسية مرتبطة بعزيز أخنوش، يجعل من تحركات القيادي الجديد في “البام” مؤشرا مبكرا على أن المنافسة الانتخابية المقبلة قد تبدأ من ساحات ظلت إلى وقت قريب تبدو محسومة الاتجاه، وأن سوس قد تتحول إلى واحدة من أبرز ساحات اختبار موازين القوى بين الحزبين.