الاعتراف بمغربية الصحراء يحدث زلزالا سياسيا داخل أروقة البرلمان الكولومبي

بوغوتا – في خطوة وصفت بـ”التاريخية” على مستوى العلاقات الثنائية، أحدث قرار الرئيس الكولومبي أبيلاردو دي لا إسبرييلا الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، زلزالاً سياسياً داخل أروقة البرلمان الكولومبي، حيث خرج نحو أربعين نائباً في بيان استنكاري وصفوا فيه موقف حكومتهم بـ”الفضيحة”، مؤكدين أن القرار “لا يعكس مشاعر الشعب الكولومبي”

لم يمضِ وقت طويل على تنصيب الرئيس الكولومبي الجديد أبيلاردو دي لا إسبرييلا، حتى أعلنت وزارة الخارجية في بوغوتا تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية للبلاد، تمثل في الاعتراف الرسمي بسيادة المملكة المغربية على كامل أراضيها، بما فيها الصحراء. القرار الذي جاء بمثابة صدمة للعديد من الأوساط السياسية، دفع كتلة نيابية تضم حوالي أربعين عضواً في الكونغرس إلى إطلاق بيان شديد اللهجة، اعتبروا فيه أن موقف حكومتهم “انحراف خطير” عن المبادئ التقليدية للسياسة الخارجية الكولومبية.

وجاء في البيان الذي وقعه النواب المعترضون أن هذا القرار “يمثل فضيحة دبلوماسية”، مشيرين إلى أنه “لا يعبر إطلاقاً عن مشاعر الشعب الكولومبي”، الذي يرتبط تاريخياً بمواقف داعمة لحق الشعوب في تقرير المصير. واعتبر الموقعون أن تحول بوغوتا يجعل كولومبيا “شريكة في انتهاك الحق الأساسي للشعب الصحراوي في تقرير مصيره”، في إشارة واضحة إلى تبنيهم للموقف الانفصالي الذي تتبناه جبهة البوليساريو.

ويأتي هذا التطور بعد أقل من أربع سنوات على قرار الرئيس السابق غوستافو بيترو إعادة العلاقات الدبلوماسية مع “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” في أغسطس 2022، بعد تجميد دام منذ عام 2001. غير أن إدارة دي لا إسبرييلا الجديدة اختارت مساراً مغايراً تماماً، تماشياً مع توجهها نحو تقارب استراتيجي مع كل من واشنطن والرباط، وهو ما تجلى أيضاً في اعترافها بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان، في موقف لا تتبناه سوى الولايات المتحدة.

المفارقة اللافتة أن أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ الكولومبي – 62 عضواً من أصل 108 – كانوا قد رفضوا في أكتوبر 2022 قرار بيترو باستعادة العلاقات مع البوليساريو، مما يعني أن المعارضة البرلمانية الحالية تأتي من تيارات مختلفة وليست محصورة في معسكر سياسي واحد. غير أن البيان الأخير، رغم حدة لهجته، يظل مجرد موقف سياسي لا يتمتع بأي قوة إلزامية على قرارات الحكومة، خاصة أن الدستور الكولومبي يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات حصرية في رسم السياسة الخارجية وتوجيهها.

في المقابل، رحب وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بالقرار الكولومبي، واصفاً إياه بـ”التاريخي”، مؤكداً أنه سيمنح دفعة قوية للعلاقات الثنائية بين الرباط وبوغوتا، ويمهد لتأسيس شراكة استراتيجية في قطاعات حيوية مثل التجارة والاستثمار والأمن الغذائي.

وتندرج هذه الخطوة ضمن سياق دبلوماسي أوسع، حيث شهدت السنوات الأخيرة تحولاً ملحوظاً في مواقف دول أمريكا اللاتينية تجاه قضية الصحراء، مع إعلان كل من الإكوادور وبنما والبيرو دعمها لمغربية الصحراء. ومع ذلك، فإن الاحتجاج البرلماني الكولومبي يعكس استمرار حالة الانقسام الداخلي حول هذه القضية، ويؤكد أن التحول الاستراتيجي في السياسة الخارجية، رغم إجماعه في الأوساط الرسمية، يظل يثير حفيظة قطاعات واسعة من النخبة السياسية التي ترى في تقرير المصير قيمة لا يمكن التخلي عنها.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *