التصويت.. واجب وطني وآلية للتغيير من أجل مغرب لا يسير بسرعتين

تتجه انتخابات 23 شتنبر المقبل إلى أن تكون المشاركة فيها واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش. فالسؤال لم يعد فقط حول من سيفوز ومن سيخسر، وإنما حول عدد المواطنين الذين سيختارون أصلاً أن يذهبوا إلى صناديق الاقتراع، ويشاركوا في تحديد ملامح المؤسسات  والنخب التي ستدبر الشأن العام خلال المرحلة المقبلة.

التصويت ليس مجرد إجراء دستوري يتكرر كل خمس سنوات، ولا مجرد ورقة توضع في صندوق ثم تنتهي علاقتها بصاحبها. إنه إحدى الوسائل القليلة التي يملكها المواطن لاختيار من يمثله، وفي الوقت نفسه للحكم على تجربة سابقة ومنح الثقة لمن يرى أنه قادر على تحمل المسؤولية. لذلك، فإن الانتخابات تظل مناسبة للاختيار، لكنها أيضاً مناسبة للتقييم والمساءلة وفق مقتضيات الدستور

صحيح أن المشاركة الانتخابية حق، لكن التعامل معها باعتبارها مسؤولية وطنية يظل أمراً مشروعاً، لأن قرار المواطن بعدم التصويت لا يعني أنه خارج العملية السياسية. فالنتائج ستصدر في جميع الأحوال، والمقاعد ستوزع، والمؤسسات ستتشكل، والقرارات ستتخذ. وعندما ينسحب جزء من المواطنين من لحظة الاختيار، فإنه يترك للفاسدين ان يفعلوا ما شاؤوا .

ومع ذلك، لا يمكن اختزال ضعف المشاركة في عدم اهتمام المواطن بالشأن العام. فهناك أسباب أخرى لا يمكن تجاهلها، ترتبط في جانب منها بأداء الأحزاب والمنتخبين، وبالوعود التي قُدمت في مناسبات انتخابية سابقة ولم تجد طريقها دائماً إلى التنفيذ. كما أن بعض المواطنين أصبحوا يتساءلون عن مدى قدرة المؤسسات المنتخبة على تغيير واقعهم اليومي، خصوصاً في مجالات التعليم والصحة والتشغيل والخدمات الأساسية ،شروط العيش الكريم،

لهذا السبب، فإن مطالبة المواطن بالمشاركة يجب أن ترافقها مسؤولية سياسية من جانب الأحزاب. فلا يكفي أن تستنفر الناخبين خلال فترة الحملة الانتخابية، ثم تختفي العلاقة بمجرد انتهاء الاقتراع. المواطن يريد أن يعرف ماذا سيقدم المرشح، وكيف سيقدمه، وما الذي يمكن محاسبته عليه بعد وصوله إلى المؤسسة المنتخبة.

وهنا بالضبط تصبح الانتخابات أكثر من مجرد منافسة على المقاعد. إنها فرصة لطرح سؤال بسيط: ماذا تحقق؟ وماذا لم يتحقق؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ ومن يملك برنامجاً أكثر واقعية وقدرة على التنفيذ؟

هذه الأسئلة تكتسب أهمية أكبر عندما نستحضر هدف بناء «مغرب لا يسير بسرعتين» . فالمسألة لا تتعلق فقط بالفارق بين مدينة وقرية، أو بين جهة وأخرى، وإنما أيضاً بمدى شعور المواطن بأن التحولات التي تعرفها البلاد تنعكس على حياته اليومية. فالمشاريع الكبرى مهمة، والاستثمارات ضرورية، والأوراش المفتوحة تعكس دينامية اقتصادية وتنموية، لكن المواطن يقيس كل ذلك في النهاية بما يراه في المدرسة والمستشفى وسوق الشغل والنقل والخدمات وفي قدرته على توفير شروط عيش أفضل لأسرته.

لقد تغير المغرب كثيراً خلال السنوات الأخيرة، وأطلقت الدولة أوراشاً مهمة في مجالات متعددة. لكن المرحلة المقبلة تفرض سؤالاً آخر: كيف يمكن تحويل هذه الدينامية إلى أثر أكثر توازناً بين المناطق والفئات؟ وكيف يمكن ضمان ألا تبقى بعض المجالات في مقدمة مسار التنمية، بينما تنتظر أخرى وقتها؟

الكاتب: د.ميلود بلقاضي

من هنا تأتي أهمية المؤسسات المنتخبة. فالمنتخب الجيد ليس مجرد شخص يفوز في الانتخابات، وإنما ممثل مطالب بأن ينقل انتظارات المواطنين، ويتابع السياسات العمومية، ويدافع عن مصالح المجال الذي يمثله. ولذلك، فإن جودة الاختيار الانتخابي لا تقل أهمية عن حجم المشاركة نفسها.

المطلوب، إذن، ليس مشاركة عددية فقط. فصوت المواطن تزداد قيمته عندما يكون مبنياً على معرفة بالمرشح وبحصيلته وبرنامجه، وليس فقط على القرابة أو الانتماء أو الولاء الحزبي. والانتخابات تكون أكثر نضجاً عندما يتحول الناخب من مجرد متلقٍ للوعود إلى طرف قادر على المقارنة والحكم والاختيار.

في المقابل، تحتاج الأحزاب إلى إعادة النظر في الطريقة التي تتعامل بها مع المواطن. فالناخب ليس مجرد رقم في ليلة النتائج، والمرشح لا ينبغي أن يظهر فقط عندما تقترب الانتخابات. الثقة السياسية تبنى مع الوقت، وتحتاج إلى الصدق في الخطاب، والوضوح في البرامج، والقدرة على الاعتراف بالأخطاء قبل الحديث عن الإنجازات.

كما أن دور المواطن لا ينتهي يوم التصويت. فالديمقراطية لا تختزل في وضع الورقة داخل الصندوق، وإنما تبدأ بعدها مرحلة المتابعة والمساءلة. المواطن الذي يصوت ثم يتابع أداء ممثليه ويدقق في وعودهم ونتائجهم يمارس دوراً سياسياً أكثر تأثيراً من مواطن يصوت مرة ثم ينسى كل شيء حتى الانتخابات التالية.

لذلك نقر،انه لا يمكن بناء مغرب لا يسير بسرعتين بقرار انتخابي واحد، كما لا يمكن إصلاح كل الاختلالات بمجرد تغيير أسماء المرشحين. لكن الانتخابات تظل إحدى الأدوات الأساسية التي يستطيع المواطن من خلالها التأثير في اتجاهات المرحلة المقبلة.

ولهذا، فإن المشاركة في انتخابات 23 شتنبر ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها فرصة للاختيار والتقييم، وليس مجرد واجب شكلي. أن يصوت المواطن وهو يعرف لمن يمنح صوته، ولماذا يمنحه، وما الذي ينتظره ممن اختاره؛ وأن يدرك المنتخب، في المقابل، أن الفوز لا يمنحه شيكاً على بياض.

في عالم يتغير بسرعة، أصبحت قوة المؤسسات ونجاعة الحكامة وجودة النخب عناصر أساسية في قدرة الدول على حماية مصالحها وتعزيز موقعها. والمغرب الذي يريد أن يواكب هذه التحولات يحتاج إلى مؤسسات منتخبة قوية، وإلى نخب قادرة على التدبير، وإلى مواطن لا يكتفي بالشكوى من الواقع، وإنما يشارك في صناعة القرار بالوسائل التي يتيحها له الدستور والقانون.

عندها فقط يمكن أن يتحول التصويت من مجرد موعد انتخابي إلى وسيلة حقيقية للتغيير، وأن تصبح عبارة «مغرب لا يسير بسرعتين» مشروعاً سياسياً وتنموياً يشعر المواطن بآثاره في حياته اليومية، وليس مجرد شعار يقال في المناسبات.

مغرب اليوم بحاجة لمؤسسات تمثيلية منتخبة ديمقراطيا ، ولنخب مؤهلة تكون في مستوى تحديات مغرب تنزيل مشروع الحكم الذاتي ، وتنظيم كاس العالم ، وتنزيل النموذج التنموي، وإرساء أسس الدولة الاجتماعية في نظام دولي جديد يتشكل بكل تعقيداته.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *