ليست كل المؤتمرات الحزبية متساوية في أبعادها السياقية ورهاناتها السياسية، هناك مؤتمرات تنظيمية تمر في حدود تدبير الشأن الداخلي للأحزاب، وأخرى تتحول، منذ الإعلان عنها، إلى رسائل سياسية تعكس تصور الحزب لموقعه في الخريطة السياسية ورؤيته للمرحلة المقبلة. ومن هذا المنطلق، يكتسب انعقاد المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة أهمية استثنائية، ليس فقط لأنه يأتي قبل أسابيع قليلة من الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، وإنما لأنه يشكل أول اختبار عملي لاستراتيجية الحزب في تدبير واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ تأسيسه علي يد الرجل القوي فؤاد عالي الهمة.
لذلك ، تجمع مختلف القراءات السياسية على أن انتخابات 2026 لن تكون مجرد منافسة تقليدية حول عدد المقاعد البرلمانية،وجمع الاصوات، بل ستكون منافسة حول طبيعة النخب التي ستقود البلاد خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2030. وهي مرحلة استثنائية بكل المقاييس،لكونها تتزامن مع تنزيل مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، وتسريع تنفيذ أوراش الدولة الاجتماعية، واستكمال النموذج التنموي الجديد، إلى جانب الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030، وهي رهانات تفرض وجود نخب سياسية تجمع بين الشرعية الديمقراطية والكفاءة التدبيرية والخبرة المؤسساتية.
في هذا السياق، يكتسب الإعلان المرتقب عن مرشحي حزب الأصالة والمعاصرة اليوم السبت 25 شتنبر، -وفي مقدمتهم فوزي لقجع إذا تأكد ترشيحه بدائرة بركان-، بعداً سياسياً يتجاوز مجرد اختيار انتخابي. فالأمر يعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة الاعتبار لفكرة الكفاءة باعتبارها أحد محددات التنافس السياسي، واستعادة جزء من الفلسفة التي تأسس عليها الحزب، والقائمة على استقطاب الكفاءات الوطنية القادرة على تدبير الملفات الكبرى وربط المسؤولية السياسية بمنطق الإنجاز.
ولا يمكن فصل هذا التوجه عن التحولات التي يعرفها السلوك الانتخابي في المغرب. فالناخب اليوم أصبح أكثر ميلاً إلى تقييم حصيلة المرشحين وإنجازاتهم، وأكثر اهتماماً بما راكموه من تجربة في تدبير المؤسسات، مقارنة بما كان سائداً في مراحل سابقة، حيث كانت الاعتبارات التنظيمية أو الخطابات الإيديولوجية تلعب دوراً أكبر في توجيه الاختيار. لذلك، فإن تقديم شخصيات ذات رصيد مهني ومؤسساتي قوي يعكس إدراكاً متزايداً لدى الأحزاب بأن الثقة الانتخابية أصبحت تُبنى على المصداقية والنتائج بقدر ما تُبنى على الانتماء الحزبي.
غير أن هذا الرهان لا يخلو من تحديات. فالانتقال من مواقع المسؤولية الإدارية أو التقنية إلى المجال الانتخابي ليس انتقالاً تلقائياً. فالنجاح في تدبير الملفات الوطنية لا يعني بالضرورة النجاح في كسب ثقة الناخبين داخل الدوائر المحلية، لأن العمل السياسي يقتضي حضوراً ميدانياً دائماً، وقدرة على الإنصات للمواطنين، وفهماً دقيقاً لأولوياتهم، وتحويل السياسات العمومية إلى حلول ملموسة تستجيب لانتظاراتهم اليومية.
ومن هذه الزاوية، فإن ترشيح شخصية بحجم فوزي لقجع، إذا تم الإعلان عنه رسمياً، لن يكون حدثاً يهم دائرة بركان وحدها، بل ستكون له انعكاسات على مجمل المشهد الانتخابي الوطني. فمن المرجح أن يدفع الأحزاب المنافسة إلى إعادة تقييم اختياراتها في ما يتعلق بالمرشحين والخطاب الانتخابي، وأن يعزز النقاش حول طبيعة القيادة التي تحتاجها المرحلة المقبلة: هل ستكون الأولوية للخبرة في تدبير المؤسسات والمشاريع الكبرى، أم لاستمرار منطق الزعامات التقليدية والامتداد التنظيمي المحلي؟
كما يعكس هذا التطور تحولاً أعمق في الحياة الحزبية المغربية، يتمثل في التراجع النسبي لصورة “المرشح التقليدي” مقابل صعود شخصيات تمتلك رأسمالاً مؤسساتياً ومهنياً. وهو تحول لا يرتبط فقط بتغير سلوك الناخب، بل أيضاً بإدراك الأحزاب أن تحديات المرحلة المقبلة تتطلب كفاءات قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية التي يعرفها المغرب.
ومع ذلك، فإن قيمة أي ترشيح لن تقاس بقوة الاسم أو رمزيته، وإنما بقدرة الحزب على إدماجه ضمن مشروع سياسي متكامل، يربط بين الكفاءة والتمثيلية، وبين الإنجاز الوطني والاستجابة للانتظارات المحلية. فالانتخابات تُحسم في النهاية بمدى قدرة المرشح على بناء علاقة ثقة مع المواطنين، وإقناعهم بأن خبرته ستترجم إلى سياسات ومبادرات تنعكس على حياتهم اليومية.
لذلك، قد يتحول المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة إلى أكثر من محطة تنظيمية، وقد يشكل بداية مرحلة جديدة في التنافس الحزبي بالمغرب. فإذا تأكد ترشيح فوزي لقجع ببركان، فإن الحدث سيُقرأ باعتباره مؤشراً على إعادة تموقع الحزب واستعداده لخوض انتخابات 2026 برهان واضح على الكفاءة والقدرة على التدبير، في مواجهة منافسة يُنتظر أن تكون من بين الأكثر حدة منذ اعتماد دستور 2011.
ويبقى الحسم، في نهاية المطاف، بيد الناخب المغربي. فهو وحده من سيحدد ما إذا كانت انتخابات 2026 ستؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها معيار الإنجاز والكفاءة أكثر حضوراً في صناعة الاختيار الديمقراطي، أم أن الاعتبارات التقليدية ستظل الفاعل الأكثر تأثيراً في رسم الخريطة السياسية المقبلة.
وحسب عدد من المؤشرات، فترشح فوزي لقجع مع حزب الاصالة والمعاصرة سيفرز قطبية جديدة مع حرب التجمع الوطني للاحرار، و على منوال قطبية نفس الحزب أي البام مع حزب العدالة والتنمية سنة 2016 .انها فطبية تنافس حول من سيقود حكومة مونديال 2030، علما أن قطبية 2016 كانت بين إلياس العماري وعبد الإله بنكيران، بينما قطبية 2026 ستكون بين فوزي لقجع وعزيز أخنوش لكن بشكل أقل شراسة.
belcadi@belpresse.com