لقجع يرسخ نفوذه داخل “البام”.. رسائل “الجوكير” بقلب سوس

لم ينتظر فوزي لقجع، الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، طويلا بعد التحاقه رسميا بالمكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة حتى يبدأ في ترجمة حضوره الحزبي إلى تحرك ميداني، في مؤشر سياسي يوحي بأن القيادي الجديد في “البام” لا يريد أن يبقى مجرد اسم مضاف إلى تركيبة القيادة، وإنما يتجه إلى بناء موقع فعلي داخل الحزب وفرض نفسه كأحد الوجوه المؤثرة في معادلاته التنظيمية والانتخابية.

فبعد مشاركته في المحطة التنظيمية الأولى رفقة قيادة “التراكتور” بمدينة إفران، مباشرة عقب الإعلان الرسمي عن التحاقه بالمكتب السياسي خلال دورة المجلس الوطني للحزب، انتقل لقجع إلى جهة سوس ماسة، حيث شارك صباح الأحد بمدينة أكادير في أول نشاط حزبي له من بوابة الجهة، قبل أن يخوض سلسلة لقاءات ميدانية في إنزكان، على أن يتوجه مساء إلى تيزنيت، في تحرك انتخابي مكثف يضعه في قلب الاستعدادات الجارية للاستحقاقات التشريعية المقبلة.

وحضر لقاء أكادير أعضاء من المكتب السياسي واللجنة الوطنية للانتخابات وبرلمانيون ومنتخبون وأعضاء الحزب بجهة سوس ماسة، إلى جانب المنسق الجهوي للحزب بسوس ماسة حميد وهبي، والقيادي العربي المحرشي، وهشام المهاجري وسمير كودار، في أول ظهور سياسي واسع للقجع داخل التنظيم بجهة سوس ماسة. وهو حضور لم يخل من رسائل سياسية، خصوصا أن الرجل دخل مباشرة إلى صلب العمل التنظيمي والانتخابي، بدل الاكتفاء بالبروتوكول المرتبط بانضمامه إلى القيادة.

وتعكس برمجة لقاءات متتالية في إنزكان وتيزنيت، في ظرف زمني قصير، توجها نحو تقديم لقجع باعتباره أحد الوجوه التي يمكن للحزب أن يعول عليها في تعبئة قواعده واستقطاب الفاعلين المحليين والاقتصاديين، خصوصا أن حضوره يتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، حيث تتحول كل تحركات القيادات إلى رسائل موجهة إلى القواعد والمنتخبين والمرشحين والفعاليات المحلية.

وفي أكادير، حظي لقجع باستقبال من فعاليات اقتصادية وفلاحية وازنة بالجهة، من بينها الحبيب لقرش، أحد كبار مستوردي البذور والمواد الفلاحية بمنطقة سوس ومالك مصنع “الفيلي”، إلى جانب رجال أعمال إسبان، فضلا عن حضور مخلص، الذي يوصف داخل أوساط الحزب بسوس بأنه من الوجوه القوية، وينحدر من اشتوكة ويملك استثمارات في عدد من القطاعات. وهي معطيات تضفي على تحرك لقجع بعدا يتجاوز الإطار الحزبي الضيق، باتجاه الانفتاح على شبكات اقتصادية واجتماعية لها حضور وتأثير في واحدة من أهم الجهات انتخابيا واقتصاديا بالمغرب.

ولم يكن اختيار سوس ماسة للتحرك الأول للقجع من داخل الحزب اعتباطيا، بالنظر إلى الثقل الاقتصادي والديمغرافي والسياسي للجهة، إضافة إلى طبيعة تركيبتها الانتخابية وتعقيداتها المحلية. ولذلك فإن دخول لقجع من بوابة سوس يضعه مبكرا أمام اختبار حقيقي لقدرته على تحويل حضوره المؤسساتي إلى نفوذ سياسي وتنظيمي، وعلى ربط موقعه داخل الدولة بموقعه الجديد داخل حزب الأصالة والمعاصرة.

وتكشف السرعة التي انتقل بها لقجع من محطة إفران إلى النشاط الحزبي في أكادير ثم إنزكان وتيزنيت، عن رغبة واضحة في الاشتغال ميدانيا، وترسيخ صورة “جوكير” قادر على التحرك في أكثر من واجهة، مستفيدا من موقعه الحكومي وخبرته في تدبير الملفات المالية، ومن حضوره الجديد داخل المكتب السياسي. فالرجل لا يقدم نفسه داخل “البام” باعتباره قياديا مناسباتيا، بل يتحرك منذ الأيام الأولى باعتباره جزءا من ماكينة الحزب الانتخابية.

ومن المنتظر أن يحط لقجع مساء الأحد بمدينة تيزنيت، حيث سيجتمع مع عدد من الفعاليات السياسية لدعم مرشح حزب الأصالة والمعاصرة بالإقليم فؤاد المودني، الذي يقود لائحة الحزب في الانتخابات البرلمانية المقبلة. وتكتسب هذه المحطة أهمية خاصة، لأنها تضع القيادي الجديد في مواجهة مباشرة مع رهانات انتخابية محلية، وتجعل من تحركاته معيارا لقياس قدرته على دعم مرشحي الحزب وتوسيع حضوره في الدوائر الانتخابية.

ويأتي ذلك في وقت حاول فيه حزب الأصالة والمعاصرة، خلال لقاء أكادير، تقديم انضمام لقجع باعتباره جزءا من توجه نحو استقطاب الكفاءات التي راكمت تجربة داخل مؤسسات الدولة، مع التشديد على مفردات “الصدق” و”المعقول” والقرب من المواطنين، باعتبارها ركائز للخطاب الذي يريد الحزب اعتماده في المرحلة المقبلة.

غير أن الرسالة الأبرز التي حملتها محطة أكادير لا تتعلق فقط بالخطاب، وإنما بالفعل السياسي نفسه. فلقجع بدأ يتحرك بسرعة داخل الخريطة التنظيمية والانتخابية للحزب، ويظهر إلى جانب قياداته ومرشحيه وفعالياته المحلية والاقتصادية، بما يؤشر على أنه اختار بناء موقعه من داخل “البام” وليس الاكتفاء بالعمل الحكومي من خارجه.

ويأتي هذا الحضور في سياق سياسي حساس، حيث يستعد الحزب للاستحقاقات المقبلة وسط منافسة قوية على الدوائر والمرشحين والامتدادات المحلية. وفي مثل هذا السياق، فإن دخول شخصية بمواصفات لقجع إلى المكتب السياسي لا يمكن فصله عن حسابات القوة داخل التنظيم، خصوصا أن الرجل يمتلك رصيدا مؤسساتيا وحضورا وطنيا، ويشغل منصبا حكوميا مرتبطا بأحد أكثر الملفات حساسية في تدبير الدولة.

ومن هذه الزاوية، يبدو أن فوزي لقجع يعمل على تثبيت نفسه تدريجيا كقوة وازنة داخل حزب الأصالة والمعاصرة، مستفيدا من الزخم الذي رافق التحاقه بالمكتب السياسي، ومن الحضور الذي بدأ يحظى به في المحطات التنظيمية والانتخابية. كما أن انخراطه المباشر في دعم المرشحين والتحرك بين المدن والجهات يعطي انطباعا بأن رهانه لا يتوقف عند الحصول على موقع داخل القيادة، بل يتجه نحو بناء نفوذ سياسي وتنظيمي قادر على التأثير في قرارات الحزب وتوجهاته خلال المرحلة المقبلة.

وبذلك، قد تكون سوس ماسة أول اختبار ميداني حقيقي للقجع داخل “البام”، لكنها في الوقت نفسه تكشف أن “جوكير” الحكومة دخل إلى الحزب بعقلية مختلفة: حضور سريع، تحرك انتخابي مكثف، انفتاح على القيادات والمرشحين والفعاليات الاقتصادية، ورسالة واضحة مفادها أن فوزي لقجع يريد أن يصنع لنفسه وزنا داخل “التراكتور”، لا أن يكون مجرد اسم جديد في مكتب سياسي مكتظ بالقيادات.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *