الانتخابات بالصحراء: تحوّل من الدوائر”المضمونة” إلى دوائر ”الموت”

تاريخيا، كانت الجهات الجنوبية للمملكة تُقرأ في الخرائط الانتخابية باعتبارها أرضًا محسومة سلفًا،حيث كانت المعادلة فيها شبه رياضية: من يمسك بشبكة الأعيان والولاءات المحلية يمسك بالنتيجة، والفوز يُكتب قبل أن يُفتح مكتب تصويت واحد. أحزاب بعينها كانت تقدّم نفسها صاحبة التجذّر الأعمق في هذا المجال الترابي، وتبني على ذلك خطابًا يجعلها الأكثر تمثيلًا في المنطقة الأكثر حساسية سياسيًا ورمزيًا.
اليوم ، وفي ظل التغييرات السيكولوجية والعمرانية والحضارية والاثنية والثقافية والمجالية والفكرية التي عرفها المواطن الصحراوي، بدأ هذا المعطى السوسيولوجي يتفكك اليوم .
ويجمع المهتمون بالشأن السياسي الصحراوي ان الضمانة الانتخابية في الصحراء لم تكن يومًا في الحزب ولا في الشعار، بل في شبكة الأعيان والقبيلة والولاء المحلي. وما دامت هذه الشبكة نفسها صارت قابلة للانتقال بالجملة من حزب إلى آخر، فإن مفهوم “المعقل” ينهار من أساسه. حين يغادر من يصنع الأرقام — لا من يزيّن اللوائح — تنقلب المعادلة رأسًا على عقب: يفقد المعقل مضمونه في ليلة واحدة، ويتحوّل من خط خلفي آمن إلى خط أمامي مكشوف.

د.ميلود بلقاضي
الأخطر أن الخسارة حين تقع لا تتوقف عند الأسماء، بل تمسّ البنية التنظيمية ذاتها. حزب يفقد كوادره المحلية الوازنة يجد نفسه مضطرًا لإعادة تجميع صفوفه من الصفر، بينما يجني خصمه ثمار الاستقطاب على أعلى مستوى. وهكذا يصبح ما كان بالأمس رصيدًا مطمئنًا مجرّد ذكرى في خريطة يعاد رسمها بالكامل.

لكن التحوّل الجوهري في السلوك الانتخابي بالصحراء ، هو ان الصراع الانتخابي بجهات الصحراء لم يعد يركز على أصوات الناخبين، بل على المنتخبين أنفسهم، حيث انتقلت  المنافسة  من كسب الناخب إلى كسب ثقة  الأعيان والفاعلين المحليين قبل يوم الاقتراع.
صار “الميركاتو السياسي” — انتقال القيادات والمنتخبين بين الأحزاب — هو المعركة الحقيقية، لا الحملة الانتخابية ولا البرنامج.

هذا ما يجعل من استحقاقات شتنبر 2026 في جهات الصحراء محطة مختلفة كليًا عن كل ما سبقها. أسمّيها هنا **انتخابات دوائر الموت**، لا مجازًا مبالغًا فيه، بل توصيفًا لواقع صار فيه كل مقعد ساحة كسر عظام مفتوحة. لا أحد يدخلها مطمئنًا، ولا أحد يخرج منها مضمونًا. من يظن مقعده محجوزًا يجد الأرض تُسحب من تحته عبر انتقال عين واحد؛ ومن يُحسب خارج المعادلة يعود إليها عبر استقطاب مضاد.

يضاف إلى ذلك البُعد الرمزي الثقيل. فهذه ليست جهات عادية، إنها في صميم الورش الترابي الكبير للمملكة، والمقعد فيها ليس مجرد تمثيل نيابي، بل رصيد في معركة الشرعية والتمثيلية. وهذا بالذات ما يرفع سقف الصراع، ويجعل كل حزب مستعدًا لدفع ثمن باهظ مقابل موطئ قدم متقدم في الجنوب.

لذلك نقول ، كانت الأقاليم الجنوبية عنوان الاستقرار الانتخابي، فصارت اليوم مختبر التقلّب. تحوّلت من جهات تُدار نتائجها بآليات معينة إلى جهات تُنتزع مقاعدها بالمعركة. وهذا التحوّل، وإن بدا فوضى في الظاهر، هو في العمق نهاية زمن “الريع الانتخابي” المحسوم، وبداية زمنٍ يصبح فيه كل صوت رهانًا مفتوحًا حتى اللحظة الأخيرة.
في دوائر الموت، لا يفوز من يملك التاريخ، بل من ينهج سياسة القرب والانصات واخترام العقد الاجتماعي مع المواطن.

belcadi@belpresse.com

المقالات المرتبطة

لايوجد أي محتوى متوفر

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *