الإتحادي أيدي لوهبي: هل أصبحت مهنة المحاماة رهينة لوبيات النفوذ؟ 

أعاد النقاش الذي شهدته المؤسسة التشريعية حول مشروع قانون مهنة المحاماة إلى الواجهة إشكالات عميقة تتجاوز مجرد تعديل نص قانوني، لتطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الإصلاحات المطلوبة، ومدى قدرة المؤسسات الدستورية على ممارسة أدوارها كاملة في التشريع والرقابة.

وفي هذا الإطار تساءل الاتحادي يوسف أيدي عن مدى امتلاك أعضاء البرلمان حق مناقشة مختلف القضايا التي تهم الشأن العام في إطار احترام الثوابت والخطوط الحمراء، باعتبارهم ممثلي الأمة، مؤكدا في مداخلته في اجتماع لجنة العدل والتشريع بمجلس المستشارين اليوم الإثنين على أن ما رافق مشروع قانون مهنة المحاماة يثير علامات استفهام حقيقية حول حجم الضغوط التي مورست على مسار هذا النص، خاصة بعد تراجع الحكومة عن مشروع سبق أن صادقت عليه داخل المجلس الحكومي.

وأضاف أيدي أن القاعدة الأساسية في التشريع تقتضي أن يتدخل القانون استجابة لحاجة مجتمعية أو لمعالجة اختلالات قائمة، ومن هذا المنطلق، كان من المفترض أن يقدم مشروع القانون الجديد أجوبة واضحة عن الإشكالات التي تعرفها المهنة، وأن يساهم في تحسين العلاقة بين المحامي والمواطن، وأن يعالج الاختلالات التي راكمتها الممارسة عبر سنوات.

 

وأوضح أيدي أن ما حدث يدفع إلى الحديث عن وجود لوبي قوي ومؤثر استطاع فرض توازنات معينة على حساب النقاش العمومي والمؤسساتي، مشيرا إلى أنه عندما تصبح آليات الترافع والإقناع والحوار الديمقراطي عاجزة أمام لوبيات قوية، فإن السؤال المشروع يصبح: هل تقوم المؤسسات فعلاً بالدور الذي أنشئت من أجله؟ وهل ما زلنا أمام مسار تشريعي طبيعي أم أمام موازين قوى تفرض خياراتها خارج المؤسسات؟.

 

ومن بين النقاط المثيرة للجدل كذلك، شدد المستشار البرلماني ذاته على وجود خر سافر للمادة السابعة من القانون المنظم لمجلس المنافسة، التي تنص بصيغة الإلزام على ضرورة إحالة النصوص المتعلقة بالمهن الحرة على المجلس كلما كان من شأنها التأثير على المنافسة. معتبرا عدم احترام هذا المقتضى القانوني يثير أيضاً إشكالاً دستورياً مرتبطاً بمبدأ خضوع الجميع للقانون، بما في ذلك السلطة التنفيذية.

 

و لم يفت المتحدث ذاته استحضار الرهانات التي يسعى المغرب لخوض في جميع الأصعدة رهانات اقتصادية وتنموية كبرى، فلم يعد من المقبول تبني مقاربات حمائية تحد من المنافسة وتضيق الولوج إلى مهنة حرة يفترض أن تكون مفتوحة أمام الكفاءات.

فالمقارنة مع تجارب دول أخرى تظهر أن أعداد المحامين ترتبط بحاجيات السوق وبمبدأ حرية الولوج إلى المهن، وليس بإجراءات إدارية أو مالية قد تتحول إلى حواجز أمام الشباب الطموح.

من جهة أخرى تطرق أيدي إلى إشكالية أخرى تتعلق برسوم التسجيل والانخراط في بعض الهيئات المهنية، حيث يطرح سؤال العدالة الاجتماعية بقوة: كيف يمكن لشاب تابع دراسته بجهد شخصي، ونجح في مباراة الولوج إلى المهنة، أن يجد نفسه مطالباً بأداء مبالغ مالية مرتفعة قد تصل إلى 20 مليون سنتيم قبل أن يبدأ مساره المهني؟ والأخطر من ذلك أن هذه الشروط قد تفتح الباب أمام تفاوتات وتمييزات غير مبررة، بما يمس مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة بين المواطنين.

 

أما على مستوى العلاقة بين المحامي والموكل، اعتبره المستشار البرلماني لم يحض بنصيبه في المشروع الجديد ولم يقدم، في نظر العديد من المهتمين، حلولاً كافية للإشكالات المرتبطة بالأتعاب.

فعلا سبيل المثال حين يكون هناك عقد واضح واتفاق مسبق بين الطرفين، فإن الأمور تكون محسومة. لكن الإشكال الحقيقي يظهر عندما تغيب الوثيقة التعاقدية أو يختلف الطرفان حول طبيعة الاتفاق وقيمة الأتعاب، وهي الحالات التي تشكل جزءاً مهماً من النزاعات المعروضة على القضاء.

وختم أيدي بأن إصلاح مهنة المحاماة لا ينبغي أن يكون مناسبة لحماية الامتيازات أو تكريس منطق الانغلاق، بل فرصة لتعزيز الشفافية وتكافؤ الفرص وتطوير المهنة بما يخدم العدالة والمواطن والدولة على حد سواء. فالمطلوب اليوم ليس فقط تعديل قانون، بل فتح نقاش وطني جاد حول مستقبل مهنة تعتبر أحد الأعمدة الأساسية لدولة الحق والقانون.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *