قدم الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي، الدكتور ميلود بلقاضي، قراءة نقدية صارمة لواقع العمل البرلماني في المغرب، مفككاً أدوار المعارضة وصلاحياتها الدستورية، ومسلطاً الضوء على الجدوى الغائبة لتقارير لجان تقصي الحقائق، معتبراً أن جودة الأداء التشريعي ترتبط بنيوياً بالعنصر البشري المؤهل لا بالعدد والكم.
وفي معرض تقييمه لآليات الرقابة البرلمانية، أوضح د. بلقاضي في برنامج صدى الحدث أن لجان تقصي الحقائق لا تمثل الدور الأساسي الوحيد للمعارضة؛ إذ إن الفصل العاشر من الدستور منحها صلاحيات واسعة، لعل أبرزها رئاسة لجنة التشريع بمجلس النواب.
![]()
وانتقد بلقاضي المآل الفعلي لتقارير هذه اللجان، قائلاً:”لقد شُكلت في تجارب سابقة لجان لتقصي الحقائق، لكن نهايتها كانت الدفن في الرفوف. ما الفائدة من خلق نقاش مجتمعي كبير وخصومات سياسية صاخبة، لينتهي الأمر بتقارير مهجورة؟ إن ما يهم المواطن المغربي حقيقة هو تفعيل هذه التقارير، وتطبيق المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة”.
وحول تقييمه لمكونات الصف المعارض، دعا بلقاضي إلى تبني منهجية علمية شاملة تمتلك كل المعطيات قبل إصدار أحكام جزئية. وأكد أنه “يصعب الحديث عن المعارضة حالياً بصيغة المفرد؛ فنحن أمام (معارضات) متفرقة وليس معارضة واحدة منظمة”.
وأشار المحلل السياسي إلى أن قوة الأغلبية في الأنظمة الديمقراطية تستمد عافيتها بالأساس من وجود معارضة قوية، منسجمة، ومجتمعة على ميثاق شرف وقانون داخلي يترجم في مقترحات قوانين وتعديلات مشتركة.
وعقد بلقاضي مقارنة واقعية حول غياب التناغم بين مكونات المعارضة الحالية، مذكراً بالخلفيات السياسية لبعض الأحزاب:
غياب القواسم المشتركة: متسائلاً عن الخيط الناظم الذي يمكن أن يجمع حالياً بين حزب الحركة الشعبية وحزب الاتحاد الاشتراكي، أو حزب العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي.
الذاكرة السياسية: مذكراً بأن حزبي “العدالة والتنمية” و”الاتحاد الاشتراكي” هما اللذان شكلا قطبي أزمة “البلوكاج الحكومي” الشهير سنة 2016، مما يعكس صعوبة بناء تنسيق متين اليوم.
تبعية القرار: واعتبر المتحدث أن المعضلة الحقيقية التي يجب نقاشها بجرأة هي “افتقاد بعض مكونات المعارضة لاستقلالية قرارها الحزبي”.
وفي سياق متصل، جدد الدكتور بلقاضي موقفه الرافض للمقاربات الكمية في تقييم العمل البرلماني، مؤكداً أن قوة المجموعات النيابية لا تُقاس بعدد المقاعد.
واستشهد بلقاضي بنماذج من داخل قبة البرلمان، موضحاً أن حزباً يمتلك أغلبية عددية مريحة (كالتجمع الوطني للأحرار أو الأصالة والمعاصرة بـ 104 مقعداً أو أكثر) قد يكون حضوره باهتاً في لحظات نقاشية حاسمة، في المقابل:”قد يتدخل برلماني واحد من المعارضة (مثل رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية عبد الله بووانو) ليزلزل الأغلبية ويهدم دفوعاتها. هذا يؤكد أن العنصر البشري هو الفاعل المركزي في تجويد القوانين، ومراقبة العمل الحكومي”.
واختتم بلقاضي تحليله بالتشديد على أن التقييم الحقيقي للنائب البرلماني يجب أن يرتكز على تكوينه الثقافي، وسيكولوجيته السياسية، وممارسته الميدانية، بالإضافة إلى هامش الديمقراطية الداخلية المتوفر له داخل حزبه، وكيفية وصوله إلى قبة البرلمان.