في مداخلة تحليلية ومثيرة للنقاش، وضع الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي، الدكتور ميلود بلقاضي، الأصبع على مكامن الخلل في المشهد السياسي والحزبي المغربي، مستعرضاً تطور مفهوم “الأيديولوجيا” في القرن الحادي والعشرين، ومفككاً واقع وتحديات “الديمقراطية التشاركوية” بالمملكة، معقباً في الوقت ذاته على بعض الأطروحات التي تروج في النقاش العمومي.
في مستهل حديثه، خلال برنامج “صدى الأحداث” في قناة “ميدي1″، رد د. بلقاضي على بعض الطروحات مفرقاً بشكل حاسم بين الشروط الدستورية الإجرائية وبين البناء الفكري للنخب. وأوضح أن “النصاب القانوني” هو مبدأ دستوري وشرط أساسي لعمل البرلمان لا خلاف عليه، لكن الإشكال الحقيقي يكمن في “كيفية التكوين الفكري والسياسي للنخب”.
كما حذر بلقاضي من المقاربات المتسرعة التي تدعي “موت الأيديولوجيات”، مؤكداً:”من الخطورة بمكان القول إن الأيديولوجيات قد ماتت. نحن لا نتحدث هنا عن أيديولوجيا القرن العشرين بمفهومها الكلاسيكي الصارم، بل نتحدث عن أيديولوجيا القرن الحادي والعشرين كـ (ثقافة، مرجعية، ومبادئ)”.
وعلاقة بالدستور المغربي الذي ينص صراحة على التعددية الحزبية والسياسية، أشار المحلل السياسي إلى أن المعضلة الكبرى التي تواجه الأحزاب المغربية في الاستحقاقات الانتخابية تتمثل في عجز المواطن عن التمييز بين البرامج المعروضة عليه؛ حيث يغيب الخيط الناظم الذي يفصل بين برنامج حزب تقدمي، وآخر إسلامي، وثالث ليبرالي، وهو ما يؤثر سلباً على وعي الناخب وتوجهاته.
وعرج الدكتور بلقاضي على مفهوم “الديمقراطية التشاركوية” (Démocratie participative)، مذكراً بجذوره التاريخية الحديثة في فرنسا والتي أرست معالمه السياسية “سيغولين رويال”. هذا المفهوم -الذي انتقل للمغرب- قام في الأصل على قناعة راسخة بأن الفاعل السياسي وحده لم يعد قادراً على النجاح بمفرده في التنظير أو صياغة السياسات العمومية التي تهم المواطن.
ومن هنا، ظهرت فكرة “المجتمع المدني” ليس كجهة معارضة للفاعل السياسي، بل كـ “قوة مكملة ومنبهة له”. وأوضح بلقاضي أن الديمقراطية الحديثة عالمياً باتت ترتكز على شقين متكاملين:
الشق السياسي: وتمثله الأحزاب والمؤسسات الدستورية المنتخبة.
الشق المدني: ويمثله المجتمع المدني بكافة تلويناته.
ورغم تأكيده على أن المغرب يعيش اليوم “تمريناً ديمقراطياً” لتكريس هذا المفهوم، إلا أنه وصف التجربة الحالية بأنها “ما زالت خجولة”، ولَم تتجاوز بعد عتبة الخطابات والتمنيات والمقترحات لتتحول إلى فعل مشاركة حقيقي يضمن التنمية والاستقرار والأمن. وشدد على ضرورة تحول المجتمع إلى “آلية صانعة للقرار السياسي وفاعل أساسي في هندسة السياسات العمومية”.
وفي تشخيص ميداني جريء مبني على دراسة عميقة للمجتمعات، أثار الدكتور بلقاضي انتباهاً لظاهرة “هجرة الفاعلين” من الحقل السياسي إلى الحقل المدني.
ورغم التحفظ الذي قد يبديه البعض بأن هذه الهجرة قد تكون بحثاً عن الذات ومساحة أرحب للعطاء وليس بالضرورة انعكاساً للفشل، إلا أن بلقاضي دق ناقوس الخطر بشأن رصد ظاهرة سلبية؛ حيث بدأت “الأمراض والعلل التي كانت تنخر الجسم السياسي تنتقل عَدواها إلى الجسم المدني”.
واختتم المحلل السياسي مداخلته بتوجيه دعوة ملحة لضرورة تحصين العمل المدني، مؤكداً على وجوب عودة “الجسم المدني” إلى مفهومه النبيل والأصيل، لاسيما على مستوى ممارسة “الديمقراطية الداخلية”، واختيار الطاقات والمواطنين المتشبعين بثقافة المواطنة الحقة والملتزمة.