لا يجادل أحد اليوم في كون الأحزاب السياسية تعد ركيزة أساسية لأي نظام ديمقراطي، وتشكل أيضا مؤشرا أساسيا على منسوب ديمقراطية الأنظمة السياسية ، فلا ديمقراطية دون أحزاب سياسية ، ولا أحزاب سياسية بدون ديمقراطية، لكن ليس كل الاحزاب السياسية أحزاب ديمقراطية.
لذلك ،لا تختزل الديمقراطية الحزبية في التنافس على المقاعد، والفوز بأكبر عدد من الأصوات في الاستحقاقات الانتخابية فقط، بل إنها تشمل التأطير السياسي، والتمثيلية الحقيقية، والتواصل المؤسساتي مع المواطن كما هو منصوص عليه في الوثيقة الدستورية والقانون التنظيمي للأحزاب.
غير أن الممارسة الحزبية في المغرب اليوم ، أضحت تميل بشكل متزايد نحو اختزال العمل السياسي في السباق الانتخابي، وتهافت الأحزاب بكل مرجعياتها الإسلامية والتقدمية والليبرالية على المرشحين والأعيان وأصحاب المال ، والمرشحين القادرين للفوز بالمقعد بغض النظر عن الكيفية على حساب المهام الأساسية للأحزاب ،التي نص عليها الفصل 7 من الدستور المغربي وهي: تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وفي تدبير الشأن العام.
تثير هذه الملاحظات حول الأحزاب السياسية تساؤلات عميقة حول طبيعة الوساطة الحزبية وحدودها، ومدى التزام الأحزاب السياسية بمهامها الدستورية، وحول مستقبل الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية.

وهذا ما تحث عليه نظريات علم السياسة التي ينص على أن الأحزاب ليست مجرد أدوات للوصول إلى الحكم، بل مؤسسات للتنشئة وللتأطير السياسيين، فهي تساهم في بلورة الوعي الجماعي، وتأطير النقاش العمومي، وإعداد النخب القادرة على التدبير. كما تلعب دور الوسيط بين الدولة والمجتمع، من خلال ترجمة المطالب الاجتماعية إلى برامج وسياسات. غير أن هذه الوظائف تتطلب حضورًا دائمًا وممارسة ميدانية مستمرة، تتجاوز زمن الانتخابات.
والمتتبع للشأن الحزبي المغربي وعلاقاته بالسياسة سيلاحظ مدى هيمنة الطابع الانتخابي على سلوك الأحزاب السياسية ،وعلى تفكير قاداتها ، ،وكأن مهام الأحزاب السياسية تختزل ف للانتخابات فقط .
يمكن ملاحظة ذلك في أداء عدد من الأحزاب الكبرى مثل أحزاب الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة ،الاتحاد الاشتراكي- ولو بدرجات مختلفة- حيث تظهر تلك المهام بقوة في المنافسة الانتخابية، وتغيب في باقي الزمن السياسي.
ويرتبط سلوك الأحزاب السياسية هذا بعدة عوامل منها: طبيعة النظام الانتخابي، ضغط النتائج، ارتفاع كلفة الحملات، ضعف الانخراط الحزبي، خاصة في صفوف الشباب، تفشي الأمية السياسية، طبيعة التقسيم الانتخابي، نوعية البروفيلات المرشحة، كما ساهمت التحولات الاجتماعية والتكنولوجية في تغيير أنماط التفاعل السياسي، ما جعل الأحزاب تجد صعوبة في مواكبة انتظارات المواطنين.
ومن المؤسف أن نرى هذا الواقع في العهد الجديد، وبعد دستور 2011، وبعد القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، حيث أدى تغليب المنطق الانتخابي عند الأحزاب السياسية إلى مجموعة من النتائج التي تمس جوهر العملية الديمقراطية.
وحينما يمس جوهر الفعل الانتخابي في علاقاته بالسياسة الديمقراطية، تتراجع الثقة في الأحزاب باعتبارها مؤسسات تمثيلية، وينفر المواطن صناديق الاقتراع، لأنه أصبح مقتنعا بأن السياسة هي فضاء للصراع حول المناصب والمقاعد، وحماية للمصالح الخاصة بدل أن تكون مجالًا لخدمة الصالح العام. كما ساهم ضعف التأطير في انتشار العزوف السياسي، خاصة لدى الفئات الشابة، التي لا تجد في الخطاب الحزبي ما يعكس تطلعاتها، ويعبر عن طموحاتها.
لذلك ،ننبه الأحزاب السياسية، ونحن على أبواب الانتخابات التشريعية لسنة 2026 على ضرورة إعادة التوازن بين التنافس على المقاعد وتأطير وتكوين المواطنين.
ونقول، رغم كل التحديات والصعاب التي تعاني منها جل الأحزاب، فما يزال بإمكان هذه الأحزاب استعادة دورها التأطيري من خلال مراجعة ممارساتها وتواصلها مع المواطن، وذلك من خلال الاستثمار في التكوين السياسي، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وتكثيف الحضور الميداني، إلى جانب تطوير خطاب مواطن قريب من المواطنين. كما يمكن استثمار الفضاء الرقمي كأداة للتواصل والتأطير، بدل الاقتصار على استخدامه في الحملات الانتخابية.
وعليه، فإن التحدي الذي تواجهه الأحزاب السياسية المغربية اليوم لا يكمن فقط في الفوز بالمقاعد، بل في استعادة مهامها الدستورية كفاعل مجتمعي يساهم في بناء الوعي السياسي وتعزيز المشاركة. فالتوازن بين التنافس الانتخابي والوظيفة التأطيرية ليس خيارًا ثانويًا، بل شرطًا أساسيًا لترسيخ ممارسة ديمقراطية فعالة ومستدامة تليق بمغرب صاعد في سياق دولي مضطرب.
belcadi@belpresse.com