المغرب تحت ضغط الطاقة: إلى أين تتجه أسعار المحروقات؟

تواصل أسعار النفط العالمية التحرك قرب أعلى مستوياتها في نحو شهر، في ظل حالة من التذبذب الحاد التي تغذيها التوترات الجيوسياسية، خاصة ما يرتبط بتعطل الملاحة في مضيق هرمز وتداعيات انسحاب الإمارات من تحالف “أوبك”. هذا المشهد المعقد يعكس سوقا شديدة الحساسية لأي اضطراب في الإمدادات، حيث استقر خام برنت فوق 111 دولارا للبرميل، بينما ظل خام غرب تكساس الوسيط قريباً من 100 دولار، مع تسجيل تفاوتات واضحة بين الخامات بحسب ارتباطها بالإمدادات الفعلية أو العوامل التنظيمية.

ويلاحظ مهنيون في قطاع الطاقة أن الارتفاع اللافت في بعض الخامات، مثل مربان وغرب تكساس ميدلاند، يعكس استمرار علاوات المخاطر في السوق الفورية، مدفوعة بمخاوف نقص الإمدادات. في المقابل، يعكس تراجع خامات أخرى مثل عمان وسلة أوبك حالة من التباين في تسعير النفط عالمياً، ما يؤكد أن السوق لم تعد تتحرك بعامل واحد، بل بمزيج من الاعتبارات الجيوسياسية والمؤسساتية.

ويرى مراقبون أن انسحاب الإمارات من “أوبك” أضاف طبقة جديدة من الغموض، خاصة في وقت تواجه فيه السوق اضطرابات غير مسبوقة. ويُفهم من توجهات أبوظبي أنها تميل إلى إعطاء الأولوية لمصالحها الوطنية، مع احتمال رفع الإنتاج مستقبلاً، غير أن هذا السيناريو يبقى رهيناً بمدى استقرار الملاحة في مضيق هرمز، الذي يشكل شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية.

في هذا السياق، تبدو الأسواق أكثر تفاعلاً مع التطورات السياسية، حيث ساهمت المخاوف من استمرار التوترات وتعثر المفاوضات الدولية في إبقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة. هذا الارتفاع العالمي ينعكس بشكل مباشر على الدول المستوردة، وعلى رأسها المغرب، الذي يترقب تحيين أسعار المحروقات في ظل موجة تقلبات مستمرة.

داخلياً، سجلت أسعار الوقود بالمغرب زيادات متتالية، إذ بلغ سعر الغازوال حوالي 15.5 دراهم للتر، بعد أن كان في حدود 14.5 دراهم مطلع الشهر، فيما استقر البنزين عند مستويات مماثلة. هذا الارتفاع يعمّق الضغوط على القدرة الشرائية، خاصة مع ارتباط أسعار النقل والإنتاج بشكل وثيق بالمحروقات.

ويجمع محللون اقتصاديون على أن تقلب الأسعار يرتبط أساساً بوضعية الإمدادات عبر مضيق هرمز، ما يعني أن أي استمرار في اضطراب هذا الممر سيؤدي إلى موجات ارتفاع جديدة عالمياً ومحلياً. كما يشير هؤلاء إلى أن آلية مراجعة الأسعار يفترض أن تعكس الاتجاهين، صعوداً وهبوطاً، لضمان قدر من التوازن في السوق.

في المقابل، يرى خبراء أن التدخل الحكومي المباشر يظل خياراً معقداً، إذ إن الإجراءات الحالية تؤدي دوراً جزئياً في تخفيف الصدمات دون أن تكون قادرة على امتصاصها بالكامل. ويعتبرون أن هذه التدابير تظل أقرب إلى أدوات تخفيف مؤقتة، لا حلولاً جذرية لضبط السوق.

من جهة أخرى، يحذر فاعلون في مجال حماية المستهلك من تآكل القدرة الشرائية للمغاربة، مشيرين إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات ينعكس بشكل تلقائي على مختلف السلع والخدمات. ويؤكد هؤلاء أن السياق الحالي يفرض التفكير في تفعيل آليات قانونية تتيح للحكومة التدخل لتسقيف الأسعار بشكل مؤقت، خصوصاً عندما تبلغ مستويات غير متناسبة مع دخل المواطنين.

ويعتبر مهنيون أن الإطار القانوني يتيح هذا النوع من التدخل لفترات محددة قابلة للتمديد، ما قد يوفر هامشاً لحماية السوق من التقلبات الحادة. غير أن نجاح مثل هذه الخطوة يبقى مرتبطاً بقدرتها على تحقيق التوازن بين حماية المستهلك وضمان استمرارية تزويد السوق.

في المحصلة، يبدو أن مستقبل أسعار المحروقات في المغرب سيظل رهيناً بالتطورات الدولية، حيث تبقى العوامل الجيوسياسية المحدد الرئيسي لاتجاهات السوق. وبين ضغوط الخارج وانتظارات الداخل، يظل السؤال مطروحاً حول حدود تدخل الدولة وقدرتها على احتواء موجة غلاء قد تطول.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *