قبل أقل من خمسة أشهر من موعد الاقتراع المقرر في 23 شتنبر المقبل، يعيش حزب الحركة الشعبية على وقع هزة داخلية عنيفة قد تعيد خلط أوراقه وتفكك ما تبقى من وحدته الهشة. فبين انفراد الأمين العام بتدبير ملف التزكيات وإقصاء قيادات بارزة من تيار “التكتل الديمقراطي”، تبدو “السنبلة” مهددة بالجفاف الداخلي في أحرج مرحلة تمر بها المشهد السياسي المغربي.
كشفت مصادر أن المكتب السياسي للحزب يعيش حالة استثنائية من الاحتقان، بعد أن ضاقت قياداته صدرا بما وصفته بـ”سياسة الأبواب المغلقة” التي ينتهجها الأمين العام محمد أوزين في إدارة التزكيات الانتخابية. فبدلا من أن تمر التزكيات عبر المؤسسات الديمقراطية للحزب، باتت حكراً على دائرة ضيقة لا تتعدى المقربين من أوزين، وهو ما فجّر غضبا عارما داخل أروقة الحزب العريق.
غير أن الجديد في هذا الصراع، أنه لم يعد محصوراً بين أقطاب الحزب التقليديين، بل تعداه إلى تيار “التكتل الديمقراطي” الذي انضم حديثاً إلى الحركة الشعبية، وكان يُفترض أن يمثل إضافة نوعية وفرصة لضخ دماء جديدة. لكن سرعة تحول هذا الانضمام إلى خلاف حاد، كشفت عن عمق الشرخ بين رؤية أوزين وطموحات الوافدين الجدد.
فقد رفض الأمين العام بشكل قاطع منح التزكية لقياديين بارزين في هذا التيار، وفي مقدمتهم النائبة البرلمانية ريم شباط، ابنة الأمين العام السابق لحزب الاستقلال حميد شباط. وكانت شباط تخطط لخوض الانتخابات التشريعية برمز “السنبلة” في دائرة فاس الشمالية، معتمدة على اسمها العائلي الذي يظل يحظى بثقل سياسي وناخب في المنطقة. لكن رفض أوزين فاجأها وفاجأ التيار بأكمله، مما يهدد حالياً بانسحاب وجوه بارزة من الحزب، وهو ما يعني خسارة أصوات انتخابية موالية في معاقل حساسة.
على الجانب الآخر، يبدو أن أوزين يراهن على خيارات مغايرة تماماً، قد تثير مزيداً من الغضب داخل قواعده الحزبية. فبعد أن أغلق الباب في وجه مرشحين من بيته الداخلي، دخل الأمين العام في مفاوضات متقدمة مع البرلماني خالد العجلي، المنتمي لحزب التجمع الوطني للأحرار، بغرض منحه التزكية للترشح بدائرة فاس الجنوبية. وهذا يعني تهميش اسم الخبير المحاسباتي رشيد بلبوخ، الذي كان يُعتبر الأوفر حظاً لنيل هذه التزكية.
هذه الخطوة، التي تثير تساؤلات كثيرة حول معايير اختيار المرشحين داخل حزب “السنبلة”، تحمل في طياتها أكثر من قراءة. فمن جهة، تعكس ربما ضعفاً في البنية الترابية للحزب وفي قدرته على توفير كوادر منافسة في دوائر أساسية مثل فاس الجنوبية. ومن جهة أخرى، قد تكون مؤشراً على تحضير مبكر لتحالفات انتخابية مستقبلية مع حزب “الأحرار” على حساب الولاءات الحزبية الداخلية.
وبقراءة أعمق للسيناريوهات المحتملة، يبدو أن محمد أوزين يخوض راهنا معركة وجودية على أكثر من جبهة. فهو يواجه تهديداً مزدوجاً: الأول يتمثل في احتمال انسحاب تيار “التكتل الديمقراطي” وقياداته، وهو ما سيشكل نزيفاً نوعياً في صفوف الحزب قد يصعب ترميمه قبل موعد الانتخابات. والثاني يتمثل في تآكل ثقة بقية القيادات والأطر الحزبية، التي تراقب عن كثب كيف يتم التعامل مع ملف التزكيات، وتتساءل عن مصيرها هي الأخرى.
ولا يمكن تجاهل البعد الرمزي لرفض تزكية ريم شباط تحديدا، فاسم “شباط” لا يزال يحمل ثقلاً سياسياً خاصة في مدينة فاس. وقد يُفسر هذا الرفض على أنه محاولة من أوزين لمنع ظهور أي نجم داخل الحزب قد يطغى على نفوذه أو يشكل مركز قوى موازٍ. لكن المقابل أن هذا الإقصاء قد يحوّل شباط والتيار المرافق لها إلى خصوم داخلين، وربما إلى منافسين في الانتخابات نفسها تحت رايات أخرى.
على صعيد آخر، فإن فتح الأبواب أمام شخصية من حزب “الأحرار” لمنافسة مرشحين محتملين من داخل الحزب، يطرح إشكاليات سياسية وأخلاقية. فهل يعقل أن يكون “السنبلة” مجرد غطاء انتخابي لمرشحين لا ينتمون إليه أصلاً؟ وماذا سيكون موقف القواعد الحزبية في فاس الجنوبية حين تكتشف أن مرشح الحزب ليس من أبنائها أو حتى من كوادرها؟
فما يجري داخل حزب الحركة الشعبية ليس مجرد خلاف عابر على تزكيات محدودة، بل هو اختبار حقيقي لقدرة محمد أوزين على قيادة سفينة الحزب في بحر عاصف، وامتحان لمدى تمسك الحزب بقيمه الديمقراطية الداخلية. فإذا كان الأمين العام يصر على تدبير الملف الانتخابي من خلف أبواب موصدة، وإذا استمر في إقصاء قيادات بارزة باسم “التسيير”، فإنه قد يفاجأ بأن الانتخابات التي كان يأمل أن تعزز موقعه، قد تكون بداية تراجعه.