الكان 2025: كرة تخفي صراع سلطة وأزمة داخل السنغال

خلف صخب نهائي كأس أمم إفريقيا 2025، لا تدور مجرد مباراة كرة قدم، بل تتكشف ملامح معركة أعمق بكثير، عنوانها السلطة والنفوذ والهروب إلى الأمام. فبينما تنشغل الجماهير بالأهداف والقرارات التحكيمية، تتحرك في الكواليس حسابات سياسية دقيقة، توحي بأن “الكان” تحوّل إلى أداة لإعادة ترتيب الأوراق داخل السنغال، لا مجرد بطولة قارية.

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل ما نراه على أرض الملعب هو فعلاً كل القصة؟ أم أن هناك صراعًا موازياً يُدار بعناية خلف الستار؟

في قمة هرم السلطة، تبدو العلاقة بين الرئيس باسيرو ديوماي فاي ورئيس وزرائه عثمان سونكو وكأنها دخلت مرحلة اختبار حقيقي. تحالف الأمس الذي مهّد لوصولهما إلى الحكم، بدأ يُظهر تصدعات واضحة، مع تضارب في مراكز النفوذ وتباين في الرؤى. لم تعد السلطة موحّدة كما تبدو، بل منقسمة بين شرعية الدولة وثقل الشارع، وهو انقسام ينذر بانفجار سياسي في أي لحظة.

هذا التوتر لا يعيش في فراغ. فالاقتصاد السنغالي يئن تحت ضغط اختلالات عميقة: عجز متفاقم، دين عام يلامس حدود الخطر، وثقة دولية تتآكل تدريجيًا. تعليق برامج التمويل، وارتفاع كلفة الاقتراض، وتزايد الاعتماد على الخارج، كلها عوامل تجعل أي هزة سياسية بمثابة تهديد مباشر للاستقرار. ومع ذلك، يتم دفع ملف “الكان” إلى الواجهة، وكأنه أولوية وطنية قصوى.

هنا تبدأ القصة الحقيقية. تصعيد الخطاب حول البطولة لا يبدو بريئًا. فبعض الوجوه النافذة في كرة القدم السنغالية اختارت تحويل الخلاف الرياضي إلى معركة رمزية، تُستحضر فيها مشاعر الظلم والمؤامرة. يتم توجيه الغضب نحو الخارج، بينما تُؤجل الأسئلة الحرجة في الداخل. إنها لعبة قديمة: عندما تضيق الخيارات، تُستدعى الوطنية كدرع واقٍ.

لكن هذا التكتيك ليس بلا ثمن. فالتجييش الإعلامي، والاتهامات المتبادلة، ومحاولة تصوير النزاع كقضية كرامة وطنية، كلها مؤشرات على رغبة واضحة في تحويل الأنظار. بعض المسؤولين الذين يرفعون سقف التصعيد، يواجهون في الوقت ذاته ضغوطًا قانونية أو أزمات شرعية، ما يجعل اندفاعهم في هذا الملف أقرب إلى محاولة إنقاذ ذاتي منه إلى دفاع حقيقي عن الكرة السنغالية.

الأخطر من ذلك، هو أن كرة القدم تتحول تدريجيًا إلى ساحة لتصفية الحسابات. بدل أن تكون عامل توحيد، أصبحت أداة استقطاب، تُستغل لإعادة رسم موازين القوى، وتلميع صور، وربما حتى لتأجيل استحقاقات سياسية وقضائية لا مفر منها.

في هذا السياق، لم يعد نهائي “الكان” مجرد مباراة تُحسم في 90 دقيقة، بل اختبارًا لنضج الدولة نفسها. فإما أن تكشف كرة القدم حقيقة التوترات القائمة، أو تُستخدم مرة أخرى كستار يخفيها.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إزعاجًا: هل تُلعب هذه المباراة من أجل الكأس… أم من أجل السلطة؟

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *