“لارام”..دعم مالي ضخم وتراجع عالمي يفرض تدخلا عاجلا(وثائق)

في تطور يعكس أزمة هيكلية عميقة، خرجت الخطوط الملكية المغربية “لارام” من قائمة أفضل مائة شركة طيران عالمية وفق تصنيف “AirlineRatings” لعام 2026، وهو ما يمثل أكثر من مجرد رقم في تقرير دولي، بل فضح لواقع مرير يعيشه المسافرون على متن طائرات الناقل الوطني، سواء في الخدمات الأرضية أو الجوية.

ويعبر المسافرون الغاضبون انطلاقا مما نشره موقع التصنيف “AirlineRatings” عن استيائهم الشديد من “الخطوط الملكية المغربية” بسبب فقدان أمتعتهم بشكل متكرر، حيث يشيرون إلى أنهم يفقدون حقائبهم ثم يجدون أنفسهم عاجزين تماماً عن التواصل مع أي ممثل للشركة للحصول على المساعدة. ويؤكد هؤلاء المسافرون أن مراسلاتهم عبر البريد الإلكتروني تبقى دون أي رد، مما يزيد من شعورهم بالإحباط والتخلي التام بعد كل حادثة فقدان أمتعة.

 

كما يشتكي الركاب من التأخيرات الطويلة جدا وإلغاء الرحلات المفاجئة، حيث يجد العديد منهم أنفسهم عالقين في المطارات لمدة تتراوح بين 24 و48 ساعة دون أن تقدم لهم الشركة أي حلول بديلة مناسبة أو ترتيبات للإقامة والتعويض. ويتهم هؤلاء المسافرون الشركة بعدم احترام مواعيد رحلاتها وعدم اكتراثها بمعاناة من يصفونهم بالركاب العالقين، الذين يتركون في المطارات لساعات وساعات دون مبالاة أو مساعدة تذكر.

ولا يتوقف الغضب عند حدود الدرجة الاقتصادية، بل يمتد ليشمل المسافرين في درجة رجال الأعمال (Business Class)، حيث يصف أحد المسافرين الدائمين خدمة العملاء في هذه الدرجة بأنها “الأسوأ على الإطلاق”، مؤكداً أن دفع مبالغ أعلى مقابل تذاكر الدرجة الأولى لا يضمن أي تحسن في جودة الخدمة أو في طريقة التعامل مع المشاكل عند حدوثها. ويشعر هؤلاء المسافرون بخيبة أمل كبيرة لأن الشركة لا تفرق في سوء الخدمة بين الدرجات المختلفة.

 

6 مليارات درهم من جيوب المغاربة

والمفارقة الصادمة أن هذا التراجع يتزامن مع ضخ الدولة لأكثر من 6 مليارات درهم منذ 2019، أي ما يعادل نحو 600 مليون دولار، لدعم الشركة ومواجهة تداعيات الجائحة وتمويل مخططات توسعية طموحة تهدف إلى رفع الأسطول من 50 إلى 200 طائرة بحلول 2037. غير أن هذه الأموال الضخمة التي سُحبت من جيوب دافعي الضرائب لم تترجم إلى أي تحسن ملموس في جودة الخدمات، بل شهدت الفترة ذاتها ترديا مخيفا في معايير النظافة وصيانة المقصورات.

فالمقارنة الإقليمية تكشف عن تناقض حاد، فبينما تغرق “لارام” في أزماتها المتتالية، تمكنت ناقلات خليجية وعربية وأوروبية من تقديم تجارب سفر أكثر جودة بأسعار تقل بشكل كبير عن أسعار الناقل المغربي، الذي بات يُعرف بأسعاره الباهظة مقارنة بالخدمات الهزيلة المقدمة. وهذا الوضع يضع الإدارة الحالية أمام مساءلة حقيقية حول جدوى الأموال الضخمة التي ضختها الدولة.

 

هوية بصرية باهتة

ومن أبرز مظاهر الفشل الإداري، أزمة الهوية البصرية التي تعاني منها الشركة، حيث لجأت إدارتها إلى كراء طائرات قديمة بنظام “الكراد”، مع الاحتفاظ بالألوان الأصلية لمقصورات الشركات السابقة، مما خلق حالة من الفوضى البصرية داخل الطائرة، ليصبح المسافر وكأنه في طائرة متهالكة تفتقر للحد الأدنى من الانسجام الجمالي، وهو ما يعكس استهتارا بصورة العلامة التجارية المغربية.

ولم يتوقف التدهور عند الجماليات، بل طال الوظائف الأساسية، حيث تعاني العديد من طائرات المسافات الطويلة والمتوسطة من كراسي محطمة، وأنظمة ترفيه خارجة عن الخدمة، وطاولات طعام غير مستقرة، إضافة إلى تراكم الأوساخ في زوايا الطائرات، وهي صور باتت مادة دسمة على مواقع التواصل الاجتماعي. كما أن جودة الأطعمة المقدمة على متن الرحلات وصفت من قبل المسافرين بأنها لا ترقى حتى للمستويات الدنيا في شركات الطيران الاقتصادي.

هذا التخبط الإداري كلف الشركة فرصا حقيقية للتطور، حيث تخطفت الناقلات الخليجية والأوروبية وحتى الأفريقية الصاعدة الريادة في السوق الإفريقية، ومنها سوق غرب إفريقيا الذي يشكل أكثر من 24 بالمائة من عائدات “لارام”. فالمشكلة إذاً ليست في غياب التمويل، بل في غياب الحكامة الرشيدة والقدرة على التدبير.

 

رغم انتظارات المغرب العالمية.. لارام تواجه الفشل

 

ويزداد الأمر خطورة بالنظر إلى استضافة المغرب لتظاهرات عالمية كبرى مثل كأس العالم 2030، فالاستمرار في تشغيل طائرات بهذا المستوى من التهالك دون صيانة جذرية أو تجديد شامل هو مقامرة بسمعة البلاد في قطاع النقل الجوي. لذلك، فإن إنقاذ “لارام” يتطلب تغييرا جذريا في النهج الإداري، والانتقال من الاعتماد على الدعم الحكومي كمظلة أمان دائمة إلى إدارة ترتكز على التنافسية والجودة الصارمة، وإلا فإن الشركة معرضة لخطر التحول إلى مجرد ذكرى لناقل وطني كان يوما فخرا للمغاربة.

فخروج الخطوط الملكية المغربية من قائمة المئة الأفضل عالمياً ليس مجرد تراجع في ترتيب أو مؤشر عابر، بل هو بمثابة إعلان حالة طوارئ قصوى، وقرع جرس الإنذار الأخير الذي يفرض إعادة تقييم جذرية للمسار الإداري للشركة. فما عاد ممكناً الاستمرار في منطق إدارة يتوسد الدعم الحكومي كشبكة أمان دائمة، إذ إن هذا النموذج لم يعد قادراً على مواكبة متطلبات المنافسة في قطاع الطيران، الذي أصبح فيه العمود الفقري لأي ناقل وطني هو الجودة الصارمة والقدرة على البقاء في السباق العالمي دون استثناءات.

واستعادة الثقة في الناقل الجوي المغربي تستدعي، بحسب قراءة معمقة للأوضاع، ثورة شاملة تبدأ من تغيير العقلية التسييرية ذاتها، والانتقال من ثقافة الحماية إلى ثقافة التحدي والتنافسية. في هذا السياق، يظل الأفق مسدوداً ما لم يُقبل على قرار جريء يقضي بتغيير الإدارة الحالية، واستبدالها بكفاءات دولية متخصصة في قيادة شركات الطيران الكبرى، قادرة على إعادة هيكلة المؤسسة وتطهيرها من آفات البيروقراطية وسوء التدبير، التي استشرت في مفاصل متعددة كما يقرّ بذلك العديد من المراقبين المتتبعين لمسار الشركة.

ولئن كان الحديث عن الإنقاذ، فإنه لا يمكن أن يتحقق دون “ثورة جودة” فعلية، تبدأ من إعادة بناء الهوية البصرية للأسطول وتوحيد معايير الخدمة، وصولاً إلى ضمان أن كل درهم من المال العام يُصرف حصرياً لتحسين تجربة المسافر، وليس لتغطية هدر إداري أو سياسات تقاعدية. فالشركة اليوم، في نظر كثير من المهتمين، تواجه خطر التحول تدريجياً إلى مجرد ذكرى لناقل وطني كان يوماً فخراً للمغاربة، ما لم تتدخل الدولة بحسم، وتقدم على تغيير جذري ينقذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *