في مشهد يحمل كل علامات المسلسل الرياضي الغريب، لا بل المأساوي، الذي تعيشه كرة القدم الإفريقية منذ نهائي كأس أمم إفريقيا الذي احتضنه المغرب في 18 يناير الماضي، خرجت الصحافة المصرية مجددا عن صمتها المهني لتعلن وبكل فجائية حقدا قديما وحديثا على الكرة المغربية.
فلم تكن الندوة الصحفية لرئيس الكاف باتريس موتسيبي مجرد منصة لإعلان قرارات إدارية، بل تحولت إلى ساحة معركة مكشوفة قادها صحفيون مصريون، ليس دفاعا عن مبادئ العدالة أو الروح الرياضية، بل للدفاع بشراسة عن المنتخب السنغالي، حتى بعد أن جردته لجنة الطوارئ بالكاف من لقبه ومنحته للمغرب، استناداً إلى وقائع وإثباتات لم تر النور بعد بشكل كامل، لكنها كانت كافية لهز عرش “أسود التيرانغا”.
إنه لمن المثير للسخرية، بل للشفقة، أن نرى صحفيين مصريين يتسابقون للدفاع عن السنغال، وكأن القاهرة أصبحت عاصمة دكار الإعلامية، متجاهلين تماما أن الفريق الذي يدافعون عنه كان قد رفع الكأس قبل تسعة أيام فقط من الندوة في ملعب “ستاد دو فرانس” بباريس، في تحدٍ سافر لأي شرعية قضائية أو إدارية، بل وهو من أخرجهم من الكأس الإفريقية، في نصف النهائي المثير.
فقد دخل كاليدو كوليبالي حاملا الكأس أمام الجمهور الفرنسي، ووضعها بكل وقاحة على المنصة الرئيسية أمام رئيس اتحاد بلاده، في مشهد كان يجب أن يكون قمة الإهانة للقرار الإفريقي، لكنه تحول، بفضل تغطية بعض الإعلاميين، إلى احتفالية نصر وإثبات وجود. وهذا هو الأساس في المشكل، فبينما كانت السنغال تستغل المباراة الودية أمام البيرو (التي انتهت بفوزها 2-0) لترسيخ أمر واقع جديد وتقديم نفسها كبطل شرعي، كان الإعلام المصري يصدّر للعالم صورة أن “الجميع” يقف إلى جانب دكار، وأن المغرب هو “السارق” للقب، وليس العكس.
والأدهى من ذلك أن هذا الدفاع المتواصل عن السنغال لم يكن مجرد تعاطف عابر، بل تحول إلى اتهامات صريحة للكاف بـ”محاباة المغرب”، وكأن مؤسسة إفريقية مستقلة لا يمكن أن تصدر قرارا إلا تحت الضغط.
هذا الطرح المريض يتجاهل حقيقة بسيطة، فالمغرب هو من نظم البطولة واستضافها على أرضه، وخسر نهائيا مثيرا للجدل بعد انسحاب واضح لزملاء ساديو ماني، ثم فوجئ بعد شهور بقرار يسحب اللقب من السنغال ويمنحه له.
فكيف يمكن لمنظم خاسر أن يكون “محابياً” لنفسه؟ إن هذا المنطق لا يقف على قدميه، لكنه يعكس بوضوح نية مبيتة لدى بعض الأوساط الإعلامية المصرية لتشويه أي إنجاز مغربي، حتى لو كان ذلك بالدفاع عن فريق سرق الكأس في نظر الجميع، أو على الأقل استفاد من ظروف تحكيمية مثيرة للجدل، بعد انسحاب واضح وأمام ملايين المشاهدين في الملعب وعبر القنوات الناقلة.
لكن الصورة لا تكتمل بدون النظر إلى المرآة المعتمة للإعلام الرياضي المغربي. ففي الوقت الذي كان فيه الصحفيون المصريون يملؤون القاعة، ويتنافسون في توجيه الأسئلة الحادة والناقمة على القرار، كان الحضور المغربي -إن وجد- شبه غائب أو عاجز عن مجرد الرد.
لم نرَ صحفيا مغربيا واحدا يتبنى مهمة الدفاع عن شرعية القرار، أو يشرح سياقاته، أو يرد على الادعاءات التي كانت تنساب كالسيل، فهذا الصمت، الذي يتكرر في كل محطة إعلامية حاسمة، لم يعد مقبولا، على الأقل من الإعلام العمومي الرسمي، الذي تصرف عليه الملايير دون أن يدافع عن الطرح المغربي في المحافل القارية، وفوزي لقجع والجامعة وكأنهم في سبات عميق وشركات التواصل التي يصرفون عليها منشغلة فقط في الترويج البعيد عن المعارك، وتشتغل لـ”ماكياج الأشخاص” لا للدفاع عن المعارك الحقيقية للكرة المغربية.
فكيف أن يتم استثمار الملايين في المؤثرين واستراتيجيات التسويق الرقمي للترويج لأحداثها الرياضية الكبرى، أن تترك معركة إعلامية بهذه الحساسية دون قيادة أو حتى مشاركة؟ إن غياب أي صوت مغربي واضح في تلك الندوة يعطي للعالم صورة كارثية مفادها أن “الإعلام كله” ضد المغرب، وأن الرواية السنغالية هي الرواية الوحيدة التي تستحق النشر والدفاع.
وهنا تكمن المفارقة الأعظم، فبينما كان مدرب السنغال باب تياو يصرح بكل ثقة قبل المباراة أن “المسابقات تحسم على المستطيل الأخضر”، في محاولة لتقزيم دور القرارات الإدارية والقضائية، كان فريقه الإعلامي يحسم المعركة خارج الملعب بكل احترافية، من خلال احتفالاته في باريس وخطابه الإعلامي الموحد.
في المقابل، كان المغرب مشغولا بتقديم مدربه الجديد محمد وهبي، الذي بدأ ولايته بتعادل إيجابي مع الإكوادور (1-1) في مدريد، في مباراة كان يمكن استغلالها إعلاميا للترويج للفريق بصفته “البطل الجديد” لإفريقيا، لكن الفرصة ضاعت، كما تضيع كل الفرص عندما يكون الإعلام العمومي في حالة سبات عميق، فكيف للإعلام أن لا يغطي مثل هذا الحدث؟ ولم يترافع عن الأطروحة المغربية في مواجهة المصريين الذين باتو ممثلين لدكار في مقر “الكاف”.
والخلاصة التي يجب أن تقال اليوم، وغدا، وبعد غد، إن المغرب يخوض معركة قانونية مصيرية أمام محكمة التحكيم الرياضي “طاس”، لكنه يخسر معركة إعلامية لا تقل أهمية.
فالقضاء الرياضي، مهما كان نزيها، لا يعيش في برج عاجي، بل يتأثر بالمناخ العام والضغط الإعلامي والرواية التي تسود الأوساط الرياضية، وإذا استمر الصمت المغربي، واستمرت الصحافة المصرية ومن وراؤها بعض المنصات الخليجية في تغطية القضية من زاوية واحدة هي “السنغال المظلومة والمغرب المستفيد من النفوذ”، فإننا نخاطر بتقديم هدية مجانية للسنغال، حتى قبل أن تنطق هيئة التحكيم بكلمتها.
وحان الوقت لنخرج من قوقعتنا، ونفهم أن الكؤوس لا تُربح فقط في الملعب أو في قاعات المحاكم، بل تُربح أيضا في عقول وقلوب من يكتبون ويقرؤون ويشاهدون، وإلا، فسنظل كما نحن اليوم، أبطالا على الورق، وخاسرين في الإعلام الدولي، وفي الوقت الذي تستغل فيه الدول كرة القدم من أجل كسب معارك أخرى واستغلالها كقوة ناعمة (Soft Power) قد يكون العكس وتخسر المعركة بغياب الإعلام العمومي عن المعارك الرياضية.