كلما طال أمد الحرب في منطقة الخليج اتسعت دوائر الاضطراب في الاقتصاد العالمي، لا سيما في أسواق الطاقة والنفط والغاز.
ولا تمثل هذه المنطقة مجرد ساحة توتر جيوسياسي عابر أو مسرحا لصراع إقليمي محدود، بل تشكل أحد أهم الشرايين الحيوية التي يتغذى منها الاقتصاد العالمي المعاصر.
يتركز في هذه البقعة الجغرافية الحساسة جزء كبير من إنتاج الطاقة في العالم، ويعبر عبر ممراتها البحرية الإستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز، قرابة خُمس تجارة النفط العالمية يوميا، أي ما يقارب 20 مليون برميل، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال.
وعندما يتعرض هذا الممر الحيوي لأي خلل أمني أو عسكري، لا يبقى أثره محصورا داخل حدود المنطقة، بل يمتد سريعا عبر شبكة الاقتصاد العالمي ليصيب مختلف مفاصل الدورة الاقتصادية الدولية.
ولا يبدو أن الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترمب، ومعها إسرائيل، تدرك بالكامل أن إطالة أمد هذه الحرب لن تبقى مجرد مسألة حسم عسكري في الميدان، بل قد تتحول سريعا إلى صدمة اقتصادية عالمية، تتجاوز حدود الإقليم وتطول الاقتصاد الدولي بأسره.
وإن كل يوم جديد من الصراع يزيد ضغوطا إضافية على سلاسل الإمداد العالمية، ويقوض قدرة الاقتصاد العالمي على الحفاظ على توازنه الهش.
ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 150 و200 دولار للبرميل قد يضع العالم أمام مأزق اقتصادي ومالي غير مسبوق
وتأتي هذه التطورات في لحظة دولية شديدة الحساسية، إذ تلوح في الأفق ملامح ما يشبه “الركود التضخمي”، نتيجة السياسات الحمائية والتوترات التجارية التي أعادت الإدارة الأمريكية الحالية إحياءها.
ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان الظروف الاقتصادية المعقدة التي عاشها العالم خلال إغلاقات جائحة كورونا، ثم خلال الحرب الروسية الأوكرانية.
وتختلف الصدمة المحتملة هذه المرة في طبيعتها وعمقها عن الأزمات السابقة، سواء الأزمة المالية العالمية أو جائحة كورونا، أو حتى الحرب الروسية الأوكرانية؛ إذ تهدد الأزمة الراهنة الاقتصاد العالمي عبر ثلاث قنوات إستراتيجية متزامنة: قناة السلع الأساسية، وقناة التجارة العالمية، والقناة المالية.
تبدأ الصدمة في قناة السلع الأساسية عندما ترتفع أسعار النفط والغاز بصورة حادة، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج والنقل والطاقة في معظم اقتصادات العالم.
أما في قناة التجارة العالمية، فتظهر المخاطر عندما تتعرض حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز للاضطراب، الأمر الذي يرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويزيد من اختناقات سلاسل التوريد العالمية.
وقد تظهر أخطر التداعيات في القناة المالية؛ إذ قد تضطر دول الخليج إلى إعادة توجيه جزء من استثماراتها الخارجية لمواجهة التداعيات الاقتصادية للحرب.
وتدير هذه الدول عبر صناديقها السيادية تريليونات الدولارات من الأصول التي تمثل أحد أهم مصادر السيولة والاستثمار في الأسواق المالية العالمية، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا أو غيرهما من المراكز المالية الكبرى.
وقد تدفع ظروف الحرب هذه الصناديق السيادية إلى تسييل جزء من أصولها، أو تقليص استثماراتها الخارجية لتغطية تكاليف الصراع وتداعياته الاقتصادية. وإذا حدث ذلك فقد تتعرض مستويات السيولة العالمية لضغوط ملحوظة، وقد تتأثر أسعار الأصول في الأسواق المالية الدولية، من الأسهم إلى السندات.
فعندما تضع الحرب أمن الخليج على المحك، فإنها لا تهدد إمدادات الطاقة العالمية فحسب، بل تضع أيضا استقرار النظام المالي الدولي أمام اختبار حقيقي، بما في ذلك استقرار الأسواق المالية الكبرى مثل “وول ستريت”.
ويعتمد الاقتصاد العالمي بدرجة كبيرة على التدفقات المالية الخليجية للحفاظ على قدر من التوازن في أسواقه المالية؛ وإذا تعرضت هذه التدفقات لاضطراب كبير، فقد لا يقتصر ما يواجهه العالم على أزمة طاقة فقط، بل قد يواجه أيضا موجة من شح السيولة وتقلبات الأسواق وارتفاع مستويات المخاطر المالية.
تكشف التطورات الأخيرة مفارقات سياسية لافتة في إدارة سوق الطاقة العالمية؛ فقد سمحت واشنطن لبعض الدول بمواصلة نقل أو شراء النفط الروسي بهدف تخفيف الضغوط على الأسعار في الأسواق العالمية
ولا تقف آثار هذه الأزمة المحتملة عند حدود أسواق المال والطاقة، إذ تمتد تداعياتها إلى قطاعات اقتصادية إستراتيجية أخرى مثل صناعة الأسمدة والبتروكيماويات.
وتعتمد هذه الصناعات بدرجة كبيرة على مدخلات الطاقة والغاز الطبيعي، الأمر الذي يجعل أي صدمة في الإمدادات تنتقل سريعا إلى قلب الاقتصاد الحقيقي.
وعندما تنتقل الأزمة إلى الاقتصاد الحقيقي، فإن آثارها لن تقتصر على أسواق النفط أو العواصم المالية الكبرى، بل ستصل إلى مزارع الهند والبرازيل التي تعتمد على الأسمدة، وإلى مصانع أوروبا التي تعتمد على البتروكيماويات، وإلى محطات الوقود في الولايات المتحدة، وإلى مناجم الفوسفات والمعادن في أفريقيا، بل وإلى تفاصيل الحياة اليومية لملايين البشر حول العالم.
وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 150 و200 دولار للبرميل قد يضع العالم أمام مأزق اقتصادي ومالي غير مسبوق؛ وهو وضع قد يحتاج العالم سنوات طويلة للتعافي من تداعياته.
وفي حين تحاول الحكومات تهدئة الأسواق عبر السحب من الاحتياطيات الإستراتيجية، وضخ مئات الملايين من البراميل في السوق، فإن تأثير هذه الإجراءات يبقى محدودا؛ إذ يستهلك العالم نحو مئة مليون برميل من النفط يوميا، ما يعني أن هذه الاحتياطيات لا توفر سوى هامش زمني مؤقت، من دون أن تعالج جذور أي اضطراب طويل الأمد في الإمدادات القادمة من منطقة الخليج.
ينبغي على الإدارة الأمريكية وحلفائها تجنب السياسات التي تدفع المنطقة إلى حافة الانفجار، وتضع إمدادات الطاقة والسيولة المالية العالمية على المحك
وتكشف التطورات الأخيرة مفارقات سياسية لافتة في إدارة سوق الطاقة العالمية؛ فقد سمحت واشنطن لبعض الدول بمواصلة نقل أو شراء النفط الروسي بهدف تخفيف الضغوط على الأسعار في الأسواق العالمية، في خطوة تعكس حجم القلق الدولي من أي اضطراب إضافي في إمدادات الطاقة القادمة من الخليج كلما طال أمد الحرب.
وأثار هذا التوجه انتقادات أوروبية واضحة، إذ رأى مسؤولون في الاتحاد الأوروبي أنه يقوض سياسة العقوبات المفروضة على موسكو منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، ويكشف هذا الجدل حجم التناقض بين الاعتبارات الجيوسياسية ومتطلبات استقرار سوق الطاقة العالمية.
ولا يمكن في ظل هذا المشهد المتأزم الاكتفاء بالحلول التقنية أو الاقتصادية وحدها، إذ تفرض خطورة المرحلة وضع مسألة المسؤولية السياسية في صلب النقاش.
ينبغي على الإدارة الأمريكية وحلفائها تجنب السياسات التي تدفع المنطقة إلى حافة الانفجار، وتضع إمدادات الطاقة والسيولة المالية العالمية على المحك، سعيا إلى مكاسب عسكرية وتكتيكية قصيرة الأمد. وفي المقابل، يتعين على إيران الالتزام بقواعد حسن الجوار، والعمل على بناء علاقة إقليمية قائمة على الشراكة والاستقرار، بما يمنع انزلاق المنطقة إلى دوامات تصعيد يصعب التحكم في نتائجها.
لم يعد العالم يحتمل مزيدا من المغامرات الجيوسياسية، فتكلفة هذه المغامرات لم تعد تُدفع في ميادين الحرب وحدها، بل تظهر أيضا في أسعار الطاقة والغذاء، واستقرار الاقتصادات وحياة الناس اليومية. وعندما تُدفع المنطقة إلى حافة الانفجار، فإن العالم كله يدفع الثمن