تحليل: المغرب قوة إقليمية صاعدة وعزلة خانقة تطوق نظام العسكر

في سياق التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعرفها منطقة الساحل، يبرز المغرب اليوم كقوة إقليمية وازنة استطاعت، عبر دبلوماسية استباقية ومبادرات استراتيجية، أن تعيد رسم موازين النفوذ جنوب المتوسط وغرب إفريقيا، في مقابل نظام عسكري جزائري يبدو، وفق مؤشرات متعددة، وقد فقد معظم أوراقه وحلفائه، ليجد نفسه في عزلة إقليمية متفاقمة.

تقرير لصحيفة لوموند الفرنسية سلط الضوء على محاولات الجزائر استعادة نفوذها المتراجع في منطقة الساحل، من خلال إعادة تطبيع علاقاتها مع دول تحالف الساحل، وعلى رأسها النيجر. وانطلق التقرير من الزيارة التي قام بها رئيس المجلس العسكري في نيامي، عبد الرحمن تياني، إلى الجزائر منتصف فبراير الجاري، وهي زيارة وصفتها الصحيفة بـ”اللافتة”، باعتبارها أول تحرك خارجي له خارج دول التحالف منذ وصوله إلى السلطة عبر انقلاب عسكري في يوليوز 2023.

ورأت الصحيفة أن الاستقبال الرسمي الحافل الذي خص به الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ضيفه النيجري، يعكس رغبة واضحة لدى الجزائر في طي صفحة الفتور التي ميزت علاقاتها مع نيامي خلال العامين الماضيين. البيان المشترك، بما حمله من عبارات “الأخوة” و”تجاوز الصعوبات الظرفية” و”إعادة تفعيل الشراكة”، بدا – وفق قراءة التقرير – محاولة دبلوماسية لإخفاء هشاشة العلاقة وعمق التصدعات التي عرفتها خلال الفترة الأخيرة.

غير أن هذا التحرك الجزائري لا يمكن فصله عن سياق أوسع، عنوانه المنافسة المتصاعدة مع المغرب حول النفوذ في منطقة الساحل. فقد أشار التقرير إلى المبادرة التي أعلنها الملك محمد السادس في نهاية سنة 2023، والقاضية بتمكين دول الساحل من منفذ استراتيجي على الواجهة الأطلسية للمملكة، وهي خطوة نوعية اعتُبرت في الأوساط الدبلوماسية تحولاً استراتيجياً يعزز الحضور المغربي في العمق الإفريقي، ويمنح هذه الدول بديلاً اقتصادياً وجيوسياسيا حقيقيا.

في المقابل، بدا أن الجزائر قرأت هذه المبادرة باعتبارها تهديدا مباشرا لنفوذها التقليدي جنوبا، خاصة في ظل التوترات الحادة التي طبعت علاقاتها مع دول التحالف، ولا سيما في أبريل 2025، حين انضمت نيامي إلى مالي وبوركينا فاسو في سحب سفرائها من الجزائر، احتجاجاً على إسقاط الجيش الجزائري طائرة مسيّرة مالية قرب الحدود، في حادثة كشفت حدود النفوذ الجزائري وأربكت علاقاته الإقليمية.

ولم تتوقف مؤشرات العزلة عند هذا الحد، إذ سارعت الحكومة المالية إلى نفي ما راج من شائعات حول عودة سفيرها إلى الجزائر، ووصفتها بـ”الكاذبة تماماً وبدون أي أساس”، محذرة من محاولات متعمدة لزرع البلبلة وإثارة الارتباك، ومؤكدة أن المعطيات الرسمية وحدها هي المرجع الموثوق.

في المحصلة، يكشف هذا المشهد عن مفارقة لافتة، بينما يحاول النظام العسكري الجزائري ترميم نفوذ متآكل عبر زيارات بروتوكولية وخطابات دبلوماسية مكررة، يواصل المغرب ترسيخ موقعه كفاعل إقليمي مركزي، يعتمد رؤية استراتيجية طويلة النفس، تقوم على الشراكة الاقتصادية، والاندماج الإقليمي، وربط الساحل بفضاءات تنموية جديدة. وبين عزلة جزائرية تتعمق، وحضور مغربي يتسع، تتأكد معادلة جديدة في المنطقة، عنوانها أن موازين القوة لم تعد تُبنى بالشعارات، بل بالمبادرات والنتائج على الأرض.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *