في ختام أشغال المنتدى البرلماني الدولي العاشر للعدالة الاجتماعية، الذي نظمه مجلس المستشارين بشراكة مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أكد محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين، أن هذه الدورة تميزت بنقاش رصين وتفاعل مسؤول وتعدد في زوايا النظر، بما يعكس المكانة التي بات يحتلها هذا الموعد البرلماني كفضاء مؤسساتي منتظم للتفكير المشترك وتبادل الخبرات حول أحد أبرز رهانات المرحلة.
وأبرز ولد الرشيد، في كلمته خلال الجلسة الافتتاحية، أن خلاصات وتوصيات المنتدى أكدت بجلاء أن العدالة الاجتماعية لم تعد مجرد مطلب اجتماعي أو شعار ظرفي، بل أضحت شرطا وجوديا لاستقرار الدول وتنميتها وتماسك مجتمعاتها وقدرتها على الصمود، كما برز ذلك من خلال المحاور الموضوعاتية التي عالجت التحولات العالمية، والإنصاف، والحماية الاجتماعية، وأدوار الحكامة البرلمانية. وشدد على أن العدالة الاجتماعية ليست نقطة وصول أو محطة نهائية، بل مسار دائم ومتجدد من الإصلاح والتعلم والتصحيح والتراكم، يقتضي يقظة مستمرة وقدرة دائمة على التكيف مع التحولات.
وأوضح رئيس مجلس المستشارين أن جوهر العدالة الاجتماعية يتمثل في كونها بوصلة أخلاقية وسياسية يتعين أن تنعكس يوميا في اختيارات وسياسات عمومية ملموسة، كما تشكل أفقا حضاريا لرسم ملامح المجتمع المنشود القائم على الإنصاف والكرامة وتكافؤ الفرص.
واعتبر أن القيمة المضافة الأبرز لهذه الدورة لا تكمن فقط في تشخيص الاختلالات، بل في كونها شكلت فضاء حقيقيا لتلاقح الأفكار وتبادل الرؤى ومسائلة السياسات، ومناسبة جماعية لاختبار القدرة المشتركة على التفكير في بدائل مبتكرة ومنصفة في سياق عالمي متحول.
وسجل ولد الرشيد أن النقاش العميق والمسؤول الذي طبع أشغال المنتدى أبرز الحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم الصمود الاجتماعي في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية المتسارعة، التي تفرض ضمان حماية الفئات الهشة والمجالات الأكثر عرضة للصدمات، مبرزا أن ترسيخ العدالة الاجتماعية وضمان استدامتها يواجهان تحديات جوهرية مرتبطة بعوامل هيكلية عابرة للحدود، ما يستدعي اعتماد سياسات استباقية، وتعزيز القدرات المؤسساتية، وتطوير آليات اليقظة المبكرة، وترسيخ ثقافة التكيف والمرونة الاستراتيجية.
وأضاف أن تعزيز هذا المسار لا ينبغي أن يقتصر على تصحيح الاختلالات الموروثة أو استدراك العجوزات التاريخية، بل يتعين أن يتجه بجرأة نحو إعادة توزيع منصف للفرص والموارد والقدرات، بما يضمن ألا يتحول مكان الميلاد أو الأصل الاجتماعي إلى قدر يحكم مصير الأفراد والجماعات، مبرزا أن العدالة الاجتماعية في معناها الملموس هي التي تمكن الأفراد، في البادية أو المدينة، وفي الهامش أو المركز، من التعلم الجيد والعمل اللائق والولوج المنصف إلى الخدمات والبنيات الأساسية والمشاركة الفاعلة والعيش بكرامة.
وفي هذا السياق، أكد رئيس مجلس المستشارين أن الرؤية الوطنية تلتقي مع ما أكدته القمة الاجتماعية العالمية الثانية المنعقدة في نونبر الماضي، والتي شددت على أولوية الحماية الاجتماعية الشاملة باعتبارها حقا إنسانيا، وعلى ضرورة تقليص الفجوات الاجتماعية والمجالية عبر سياسات عمومية منصفة وناجعة، وبناء مجتمعات أكثر صمودا أمام الصدمات الاقتصادية والمناخية والتكنولوجية. واعتبر أن تنزيل هذه المبادئ لا يهم الحكومات وحدها، بل يضع المؤسسة البرلمانية في صلب هذا المسار، من خلال التشريع ذي الجودة، والرقابة اليقظة، والتقييم المستقل لأثر السياسات العمومية.
وفي ختام كلمته، عبر محمد ولد الرشيد عن بالغ شكره وتقديره لجميع المتدخلين من مسؤولين وبرلمانيين وخبراء أكاديميين وممثلي المؤسسات الوطنية والمنظمات الدولية، وكذا لشركاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مجددا التأكيد على أن رهان العدالة الاجتماعية يظل رهانا جماعيا لا يمكن كسبه إلا بالحوار المسؤول وتعزيز العمل المؤسساتي المشترك، متطلعا إلى دورة مقبلة تواكب طموح بناء مجتمع أكثر تماسكاً وصموداً، كما يطمح إلى ذلك الملك محمد السادس.
وعقب ذلك، أعطيت الكلمة للمستشارة البرلمانية فاطمة زغار، التي تلت برقية الولاء والإخلاص المرفوعة إلى السدة العالية بالله، والتي أكد من خلالها مجلس المستشارين اعتزازه بالرعاية السامية لجلالة الملك لهذا المنتدى، واستحضاره للرؤية الملكية المتبصرة التي تقود ورش بناء الدولة الاجتماعية، والتزامه الراسخ بمواكبة هذا الورش الاستراتيجي عبر أدواره التشريعية والرقابية والتقييمية، بما يرسخ مقومات دولة اجتماعية قادرة على مواجهة رهانات الحاضر واستشراف تحديات المستقبل.