أعاد بلاغ المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، الصادر صباح أمس، بخصوصاعلان ترشح محمد شوكي لرئاسة الحزب وحيدا، فتح باب التأويل السياسي حول ما إذا كان الأمر يتعلق فقط بإجراء تنظيمي داخلي، أم بإشارة أولى لتحول أعمق في خريطة القيادة الحزبية والحكومية بالمغرب، في أفق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
ورغم إحاطة القرار بصياغات تنظيمية تحيل على المساطر القانونية والمؤتمر الاستثنائي، إلا أن السياق العام، وتوقيت الإعلان، وطبيعة الشخصية التي تم الدفع بها إلى الواجهة، كلها عناصر تجعل من الصعب فصل الحدث عن مناخ سياسي يتسم ببرودة التعبئة، وتراجع منسوب الثقة في الأداء الحكومي، وارتفاع منسوب الانتظارات الاجتماعية.
اختيار محمد شوكي، المعروف بأسلوبه الهادئ وحضوره غير الصدامي، يُقرأ لدى عدد من المتابعين باعتباره توجها نحو مرحلة تدبيرية أكثر منها تنافسية، مرحلة يسعى فيها الحزب إلى ضمان الاستمرارية التنظيمية بأقل كلفة سياسية، بدل خوض معارك شعبية مفتوحة. وهو ما يعزز فرضية أن التجمع الوطني للأحرار قد لا يكون مرشحا للاحتفاظ بالصدارة الانتخابية، بقدر ما يستعد لإعادة التموضع داخل مشهد متعدد الأقطاب.
في المقابل، يبرز حزب الاستقلال كأحد أبرز المستفيدين المحتملين من هذا التحول الهادئ. فالحزب يتوفر على بنية تنظيمية راسخة، وانتشار ترابي واسع، وحضور وازن داخل المجالس المنتخبة والغرف البرلمانية، ما يمنحه قدرة تنافسية حقيقية للعودة إلى واجهة المشهد، ليس فقط كقوة مشاركة، بل كقوة قائدة للتحالف الحكومي المقبل.
ويعزز هذا المعطى كون الحزب استطاع، خلال المرحلة الحكومية الحالية، أن يحافظ على موقع متوازن، يزاوج بين المشاركة في القرار، وتسجيل المواقف المنتقدة لبعض السياسات، ما مكنه من تفادي الاستنزاف السياسي الذي طال أطرافا أخرى داخل الأغلبية. هذا التموضع “المرن” سمح له بتجميع رصيد سياسي يمكن استثماره انتخابيا.
في السياق نفسه، تزداد فرضية إعادة ترتيب القيادة الحكومية قوة، في ظل تراجع صورة رئيس الحكومة الحالي لدى فئات اجتماعية واسعة، وارتباط اسمه بقرارات اقتصادية واجتماعية مثيرة للجدل. ويذهب بعض المراقبين إلى أن إحداث تغيير على مستوى الواجهة القيادية قد يكون كافيا لإعطاء انطباع بفتح صفحة جديدة، دون المساس بجوهر الاختيارات الكبرى.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فيبدو خارج هذا السباق، في ظل غياب شخصية جامعة قادرة على المنافسة على رئاسة الحكومة، وتراكم اختلالات داخلية أثرت على صورته وقدرته على لعب أدوار قيادية في المرحلة المقبلة.
بناء على هذه المعطيات، لا يُقرأ تعيين محمد شوكي فقط كقرار داخلي معزول، بل كحلقة ضمن مسلسل إعادة توزيع الأدوار، حيث قد يكون التجمع الوطني للأحرار بصدد تسليم مرحلة كاملة، وترك المساحة لحليف أكثر جاهزية لقيادة المرحلة المقبلة، في سباق سياسي متواصل، لم يبلغ بعد خط ديمقراطية ينتظره المغاربة منذ عقود.