رغم مرور ستة أيام على فتح حزب التجمع الوطني للأحرار باب الترشيحات لقيادة الحزب، ما تزال لجنة الترشيحات لم تتلق اي ملف ، في مشهد غير مألوف داخل تنظيم قاد الحكومة خلال الولاية الأخيرة، ويستعد لمرحلة سياسية دقيقة بعد قرار عزيز أخنوش عدم الترشح مجددا لمنصب الرئيس.
وحسب مصادر لـ”بلبريس” أن هذا الفراغ لم يعد مجرد تأخر تقني في إيداع الترشيحات، بل تحول إلى مؤشر سياسي يطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة المرحلة التي يمر منها الحزب، وحول قدرة قياداته الحالية على ملء الفراغ الذي سيخلفه أخنوش، سواء من حيث الكاريزما أو من حيث الوزن المالي والتنظيمي الذي شكّل أحد أعمدة إعادة بناء الحزب خلال السنوات الماضية.
مصادر أفادت بأن عددا من الأسماء المحسوبة على الدائرة القريبة من أخنوش حسمت موقفها بعدم الترشح، ويتعلق الأمر بكل من رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب، ومصطفى بايتاس، الوزير والناطق الرسمي باسم الحكومة، هذه الأسماء، رغم ثقلها المؤسساتي والسياسي، اختارت، بحسب المصادر ذاتها، البقاء خارج سباق القيادة، مع الاستعداد لدعم أي قيادة جديدة قد تفرزها المرحلة المقبلة.
هذا المعطى يعمق منسوب الغموض داخل الحزب، إذ إن الأحرار يجدون أنفسهم اليوم أمام معادلة صعبة، متمثلة في البحث عن قيادة قادرة على الحفاظ على التوازنات الداخلية، وامتلاك حضور سياسي وإعلامي قوي، وفي الوقت نفسه التوفر على وزن مالي وتنظيمي شبيه بما كان يوفره أخنوش، الذي جمع بين الزعامة الحزبية والقدرة على تعبئة الموارد وضبط الآلة التنظيمية.
داخل كواليس الحزب، يطرح سؤال القيادة الكاريزماتية بإلحاح، في ظل قناعة متزايدة بأن المرحلة المقبلة، خصوصا في أفق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، لن تحتمل قيادة انتقالية ضعيفة أو توافقية فقط، بل تتطلب شخصية قادرة على فرض الإيقاع وضمان الاستمرارية السياسية والتنظيمية، كما هو الشأن بالنسبة لعزيز أخنوش. غير أن البحث عن هذا النموذج يبدو معقدا، في ظل عزوف الأسماء البارزة، وغياب بروز بديل واضح يحظى بالإجماع أو حتى بالحد الأدنى من القبول الواسع.
في المقابل، لا تستبعد مصادر أن يكون هذا الصمت مؤشرا على وجود مشاورات غير معلنة، أو مفاوضات تجري في الكواليس من أجل التوافق على اسم معين، تفاديا لسيناريو صراع داخلي قد يربك الحزب في لحظة سياسية حساسة. فالتجمع الوطني للأحرار اعتاد، في محطات مفصلية، تدبير انتقالاته الكبرى بعيدا عن الأضواء، وبمنطق التوافق أكثر من منطق التنافس المفتوح.
غير أن فرضية المفاوضات السرية لا تلغي فرضية أخرى أكثر إزعاجا لقيادة الحزب، وهي احتمال وجود أزمة بديل حقيقية. فأخنوش لم يكن مجرد رئيس حزب، بل كان مركز ثقل يجمع بين المال والكاريزما والحكامة والقدرة التنظيمية، واستطاع خلال سنوات قليلة إعادة الاعتبار لحزب كان يوصف قبل ذلك بضعف الامتداد الشعبي وغياب الهوية السياسية الواضحة.
اليوم، ومع اقتراب لحظة الحسم، يبدو حزب التجمع الوطني للأحرار أمام اختبار صعب، ما إنجاح انتقال قيادي سلس يحافظ على مكتسبات مرحلة أخنوش، أو الدخول في مرحلة ضبابية قد تعيد طرح سؤال الزعامة والهوية داخل حزب اعتاد الارتكاز على شخصية قوية أعادت له التوهج والحضور في قلب المشهد السياسي.