أخنوش يعطي درسا في الديمقراطية التداولية لزعماء الأحزاب

لحظة سياسية نادرة داخل المشهد الحزبي المغربي، اتخذ رئيس الحكومة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، قرارا مفاجئا واستثنائيا لم يعتد عليه الجمهور السياسي ، من خلال الإعلان عن عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس الحزب، واضعا بذلك حدا لمسار قيادي دام عشر سنوات، ومختارا مغادرة القيادة من الباب الواسع، لا من كرسي الزعامة باسم “الضرورة” أو “الإجماع”.

هذا القرار، الذي يمكن قراءته تقنيا في إطار احترام النظام الداخلي للحزب، يحمل في طياته بعدا سياسيا أعمق بكثير، فهو يثبت أن التداول على القيادة ليس شعارا نظريا فقط، يتم تداوله في المؤتمرات، بل ممارسة فعلية تتطلب إرادة سياسية حقيقية، وشجاعة في اتخاذ القرار، وموقف يبرز أن الديمقراطية الداخلية لحزب التجمع الوطني للأحرار، ليست شكلية، بل محتوى تتم ممارسته على أرض الواقع.

عزيز أخنوش رفض تعديل النظام الداخلي، من أجل ضخ دماء جديدة وإتاحة الفرصة للأطر الشابة والقادرة على القيادة، وتعزيز الثقة في المؤسسات الحزبية نفسها، هذه الخطوة لم تأت تحت ضغط سياسي أو نتيجة أزمة داخلية، بل جاءت في سياق يقود فيه الحزب الحكومة ويتمتع رئيسه بثقل سياسي واضح، وهو ما يمنح القرار قيمة رمزية مضاعفة، ويجعله درسا عمليا في ما يمكن تسميته بالديمقراطية التداولية.

وذلك في سياق ظلت فيه أحزاب سياسية عديدة، من الاشتراكية إلى الشيوعية، ومن الإسلاموية إلى باقي المرجعيات، رهينة أسماء بعينها لعقود، حتى أصبح الحزب امتدادا لشخص الزعيم لا لمؤسسة سياسية مستقلة.

صحيح أن التداول لا يضمن بالضرورة تجديد النخب أو تحسين الأداء السياسي، لكنه شرط أساسي لبناء الثقة داخل الحزب ومع الناخبين، فالديمقراطية تبدأ من الداخل، ومن قدرة التنظيمات على احترام قواعدها، والقبول بمبدأ التعاقب بدل الخلود في مواقع القيادة، وكل تجربة ناجحة في هذا المجال تضيف مصداقية للأحزاب، وتؤكد أن العمل السياسي لا يقتصر على شخصيات قوية، بل على مؤسسات مستقرة وقادرة على التجدد.

وفي نهاية المطاف، يضع هذا القرار الأحزاب السياسية بمختلف مرجعياتها أمام سؤال محرج لا يمكن تجاهله، متى ستنتقل الديمقراطية من الخطاب إلى الفعل؟ ومتى ستصبح المؤسسات الحزبية في المغرب قادرة على إنتاج قيادات جديدة بطرق شفافة وديمقراطية، بدل أن تبقى رهينة الزعيم الأبدي؟

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *