في ظل الارتفاع المتواصل في أسعار اللحوم الحمراء، عاد الجدل حول كلفة هذه المادة الأساسية ليحتل صدارة النقاش العمومي، بعدما تحولت إلى عبء ثقيل على القدرة الشرائية للأسر المغربية، خاصة ذات الدخل المحدود والمتوسط.
هذا الارتفاع، الذي لم يعد ينظر إليه كظرفي أو موسمي، يندرج ضمن سياق عام يتسم بغلاء المعيشة وتزايد كلفة عدد من المواد الاستهلاكية، ما عمّق شعور القلق لدى المستهلكين وطرح تساؤلات حقيقية حول فعالية آليات ضبط السوق.
وخلال الأشهر الأخيرة، سجلت أسعار اللحوم الحمراء مستويات غير مسبوقة بمختلف المدن، سواء داخل الأسواق الشعبية أو بمحلات الجزارة، وسط حديث متزايد عن اختلالات بنيوية في منظومة الإنتاج والتسويق، وضعف المراقبة، وتداخل عوامل متعددة من بينها كلفة الأعلاف، وتداعيات الجفاف، ودور الوسطاء والمضاربين،
وهو وضع دفع فئات واسعة من الأسر إلى تقليص استهلاكها من اللحوم الحمراء أو التخلي عنها شبه كلي، في تحول لافت في العادات الغذائية، وما يرافقه من مخاوف اجتماعية وصحية.
في هذا السياق، قال بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحماية المستهلك، إن ما يُلاحظ في السوق المغربي هو أن عددا من الحرفيين والمهنيين يبحثون دائما عن مبررات للحفاظ على هامش ربحهم، موضحا أنه لا يوجد تاجر يقبل بتراجع هامش أرباحه، لذلك يتم تسويق أسباب يعتبرها غير ذات قيمة اقتصادية حقيقية.
وأكد الخراطي أن كلفة الأعلاف في السوق العالمية شهدت انخفاضا ملحوظا، دون أن ينعكس ذلك على الأسعار في السوق الوطنية، رغم الدعم المالي الكبير الذي خصصته الحكومة لقطاع تربية المواشي، والذي بلغ ملايير الدراهم.
وأضاف المتحدث أن هذا الدعم لم يظهر له أي أثر ملموس على أسعار اللحوم الحمراء، مشيرا إلى أن عددا من الجزارين أصبحوا في الوقت نفسه مربي ماشية، وهو ما يجعلهم يستغلون الظرفية الحالية، خاصة في ظل قلة عرض بعض مصادر البروتين الأخرى، مثل الأسماك، نتيجة الراحة البيولوجية لسمك السردين.
وأوضح أن أسعار اللحوم ظلت مستقرة تقريبا في حدود 100 درهم للكيلوغرام، بعدما سجلت انخفاضا طفيفا خلال فترة قصيرة إلى ما بين 90 و95 درهما، قبل أن تعود إلى مستواها السابق، ما يعني، حسبه، أن هامش ربح الجزار بقي ثابتا دون أن يستفيد المستهلك من أي تراجع في الكلفة، سواء على المستوى الدولي أو من خلال الدعم العمومي.
واعتبر الخراطي أن السوق يخضع عمليا لتأثير “لوبي” يتحكم في الأسعار، في ظل غياب رد فعل حقيقي من قبل المستهلك، مشددا على أن هذا الأخير يظل فاعلا اقتصاديا أساسيا.
وأوضح رئيس الجامعة المغربية لحماية المستهلك أن امتناع المستهلك عن اقتناء مادة لا تتناسب مع قدرته الشرائية يمكن أن يشكل ضغطا مباشرا على الأسعار، خاصة أن اللحوم الحمراء من المواد القابلة للتلف، ما يضطر الجزار، في حال عدم البيع، إلى التخلي عنها بهامش ربح أقل.
وختم بالقول إن المعضلة الحقيقية لا تكمن في الأسباب التي يروجها مهنيّو القطاع، بل في سلوك بعض الجزارين من جهة، وغياب رد فعل جماعي ومنظم من طرف المستهلكين من جهة أخرى.