المحامون الاستقلاليون “يقلبون الطاولة” على الحكومة

طالبت رابطة المحامين الاستقلاليين بالمغرب بسحب مشروع قانون مهنة المحاماة في صيغته الحالية، معتبرة أنه يشكل تراجعا خطيرا عن المقاربة التشاركية التي يفترض أن تؤطر إصلاح منظومة العدالة، وينتهك روح الدستور، ويمس بالمكتسبات الراسخة لحقوق الدفاع، في موقف مهني وسياسي يعكس تصاعد القلق داخل الجسم الحقوقي والقانوني من مضامين النص المعروض على البرلمان.

ويأتي هذا الموقف في سياق سياسي حساس، غداة إبداء قيادات في حزب الاستقلال اعتراضاتها داخل مجلس الحكومة على المشروع نفسه، وهو ما أبرز إلى العلن وجود تباينات داخل مكونات الأغلبية الحكومية، التي تبدو حريصة، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة نهاية السنة الجارية، على تجنب كلفة سياسية قد تنتج عن تمرير تشريعات مثيرة للجدل تمس فئات وازنة في المجتمع.

الرابطة، باعتبارها الذراع المهني لحزب الاستقلال، شددت على أن مهنة المحاماة لا يمكن اختزالها في وظيفة أو نشاط مدر للدخل، بل هي رسالة كونية متعددة الأبعاد تضطلع بدور محوري في إرساء دعائم المحاكمة العادلة، وصون حقوق الإنسان وحرياته، وضمان التوازن الضروري بين سلطة الاتهام وحق الدفاع، بما يحفظ للعدالة طابعها المنصف والقائم على سيادة القانون وصيانة الكرامة الإنسانية.

ومن هذا المنطلق اعتبرت أن تحصين مهنة المحاماة تشريعيا ليس امتيازا فئويا، بل ضرورة موضوعية تفرضها طبيعة الدور الذي تنهض به داخل منظومة العدالة، مستحضرة أن دستور 2011 كرس هذا التوجه بشكل صريح حين نص في الفصل 120 على أن حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم وجعلها من ركائز المحاكمة العادلة.

وفي تقييمها لمضامين مشروع القانون، رأت الرابطة أن هذا الحق الدستوري أصبح مهددا اليوم بفعل مقاربات تشريعية أحادية وانفرادية تؤدي إلى تفريغ مضامينه وإضعاف الضمانات المرتبطة بممارسته، سواء عبر تقييد مهام الدفاع وأدواره، أو المساس باستقلالية المحامي وحصانته، أو إعادة صياغة الإطار القانوني المنظم للمهنة دون إشراك فعلي ومسؤول للهيئات المهنية المعنية.

واعتبرت أن أي تضييق على استقلال المحامي أو انتقاص من حصانته لا ينعكس فقط على الممارس المهني، بل يصيب في العمق حق المواطن في دفاع حر وفعال ومستقل، قادر على الترافع عن الحقوق والحريات دون ضغط أو ترهيب.

وأكدت الرابطة أن استقلال المحاماة يشكل خطا أحمر وحقا دستوريا لا يمكن التراجع عنه، لأنه الضامن الحقيقي لتحقيق المحاكمة العادلة وتعزيز حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، محذرة من أن أي تشريع لا يحمي هذا المبدأ يتعارض مع الدستور ويخرق المواثيق الدولية ويمس بالقيم الإنسانية الجامعة.

كما شددت على أن حصانة المحامي ليست امتيازا شخصيا بل ضمانة قانونية لصون استقلال المهنة، وركيزة أساسية لتمكين المواطنين من الولوج إلى عدالة منصفة، معتبرة أن أي مساس بها يقوض حق الدفاع ويهز الثقة في العدالة ومؤسساتها، في لحظة سياسية دقيقة يفترض أن يكون فيها الإصلاح القانوني رافعة لترسيخ دولة الحق والقانون لا مدخلا لإضعافها.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *