في تطور غير مسبوق أعاد خلط الأوراق في أمريكا اللاتينية، شهد اليوم الثالث من العام الجديد حدثا سياسيا وأمنيا بالغ الدلالة، تمثل في اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية عسكرية أميركية واسعة، أنهت عمليا مرحلة كاملة كان فيها مادورو أحد أبرز رموز المعسكر المناهض لواشنطن في القارة الجنوبية.
هذا التحول المفاجئ لا يعكس فقط عودة القبضة الأميركية إلى فضائها الحيوي التقليدي، بل يؤشر أيضا على تغير عميق في طريقة تدبير الولايات المتحدة لملفات النفوذ والصراع، في سياق دولي يتسم بتراجع التسامح مع الأنظمة المصنفة خارج دائرة الانسجام مع أولوياتها الاستراتيجية.
ولا تتوقف ارتدادات هذا الحدث عند حدود فنزويلا أو الحسابات الجيوسياسية في أمريكا اللاتينية، بل تمتد لتلامس ملفات إقليمية حساسة، من بينها ملف الصحراء المغربية.
فخروج أحد أبرز الداعمين لجبهة البوليساريو من دائرة التأثير يعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الطرح الانفصالي في القارة، وحول مآلات شبكة التحالفات التي راهنت عليها الجزائر طويلاً، في مقابل دبلوماسية مغربية واصلت خلال السنوات الأخيرة تعزيز موقعها عبر مقاربات واقعية وتحالفات متعددة الأبعاد.
في هذا السياق، أكد المحلل والخبير في العلاقات الدولية عصام العروسي، في تصريح خص به بلبريس، أن التحولات التي تعرفها فنزويلا، في ظل إسقاط نظام مادورو، تعكس توجها أميركيا واضحا لإحداث تغيير جيوسياسي في النسق الإقليمي لأمريكا اللاتينية.
وأوضح أن الدور الأميركي في هذه العملية يندرج ضمن ما وصفه بـ “النهج الترامبي” في تدبير الأزمات الدولية، القائم على فرض الوقائع بالقوة وليس عبر قواعد النظام الدولي التقليدي.
وأضاف العروسي أن السياسة الترامبية تميل إلى دعم الدول المركزية ورفض النزعات الانفصالية، وهو ما يتجلى في تعامل الولايات المتحدة مع عدد من القضايا الدولية، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية، مذكّرا بالاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء سنة 2020، واستمرار هذا الموقف إلى اليوم، إلى جانب مساهمة واشنطن في صدور القرار الأممي 2797.
واعتبر المتحدث أن هذه المعطيات تؤكد أن الطروحات الانفصالية، وكذا بعض المشاريع الإيديولوجية اليسارية التي ساندتها، باتت في طريقها إلى الزوال، ومن بينها الدول التي كانت تدعم جبهة البوليساريو، وعلى رأسها فنزويلا.
وخلص إلى أن قضية الصحراء المغربية أصبحت تخضع، بشكل أو بآخر، لقواعد القانون الدولي ولموازين القوى التي تفرضها الدول الكبرى، ما أنهى أي أمل لدى البوليساريو أو داعميها، بما في ذلك الطغمة العسكرية في الجزائر، التي تعيش اليوم عزلة سياسية متزايدة.
من جانبه، اعتبر المحلل السياسي، محمد شقير، أن عملية اعتقال نيكولاس مادورو تحمل رسائل سياسية قوية من إدارة ترامب، مفادها أن الولايات المتحدة جادة في استعادة مكانتها كقوة عظمى في مختلف أنحاء العالم، لاسيما في منطقة الكاريبي وأمريكا اللاتينية، التي تعتبرها واشنطن مجال نفوذ حصريا لا يقبل أي منافسة من قوى دولية أخرى، وعلى رأسها روسيا والصين.
وأوضح شقير أن هذا التدخل الأميركي، ونقل مادورو إلى نيويورك لمحاكمته، يكرس مبدأ “مونرو” الذي اعتمدته الولايات المتحدة تاريخيا لتثبيت سيطرتها على المنطقة، والقضاء على الأنظمة المناوئة لسياستها.
وأشار إلى أن نظام مادورو كان حليفاً وثيقاً للجزائر وداعماً للأطروحة الانفصالية، من خلال مساندته لجبهة البوليساريو واستقباله لقيادتها وتوشيحها بأوسمة رسمية.
وختم شقير بالتأكيد على أن اعتقال مادورو يشكل ضربة قاصمة لأحد أبرز الداعمين الرئيسيين للطرح الانفصالي والمعادين لمغربية الصحراء، خاصة وأن هذه الخطوة جاءت مباشرة بعد صدور القرار الأممي 2797، الذي كرس مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلا واقعيا وجادا للنزاع، في سياق دولي يتجه بشكل متزايد نحو ترجيح منطق الاستقرار والواقعية على حساب المغامرات الإيديولوجية.