الانتخابات البلدية الفرنسية.. هل تلوح "الموجة الخضراء" بعودة اليسار إلى سدة الحكم؟

حقق حزب "البيئة" (الخضر) الأحد نتائج تاريخية في الانتخابات البلدية الفرنسية، أعادت الأمل لقوى اليسار من جديد في إمكانية العودة إلى سدة الحكم إذا ما واصل تحقيق نتائج إيجابية في المحطات الانتخابية المقبلة، خاصة بعد خسارة الحزب الاشتراكي في آخر موعدين انتخابيين في 2017 (الانتخابات الرئاسية والتشريعية).  ورغم أنه من المستبعد إسقاط نتائج هذه الانتخابات البلدية على الاستحقاقات الوطنية لجس نبض الكتلة الناخبة، إلا أن آثارها ستتجلى في الحياة السياسية في المرحلة المقبلة. فهل هذه النتائج تعد بعودة جديدة لليسار لكراسي المسؤولية وطنيا؟

انبعث أمل لدى اليسار الفرنسي مجددا بإمكانية العودة إلى سدة الحكم في البلاد، مع ظهور نتائج الجولة الثانية من الانتخابات البلدية الفرنسية، التي أجريت الأحد، حيث أظهرت فوز حزب البيئة في عدد من المدن الكبرى، فيما احتفظ الحزب الاشتراكي ببعض المدن التي كان يسير بلدياتها.

وتكبد الحزب الحاكم "الجمهورية إلى الأمام" خسارة كبيرة في هذه الانتخابات، رغم فوز رئيس الوزراء إدوار فيليب في مدينة لوهافر الساحلية. فيما بلغت نسبة الامتناع عن التصويت مستوى غير مسبوق ناهز 60 بالمئة.

ونجح حزب "البيئة" في توسيع نفوذه من مدينة واحدة وهي غرونوبل في الجنوب كان يسير بلديتها، لكل من مدينة ليون، ستراسبورغ، تور، بيزانسون، بواتيي إضافة إلى بوردو التي ظل يدير الشأن المحلي فيها اليمين منذ 73 عاما.

وهذه النتائج التي سجلها "البيئيون" في الانتخابات المحلية الفرنسية، هي الأولى من نوعها في مسارهم السياسي، والتي أتت كتتمة للتقدم الذي سجلوه في الانتخابات الأوروبية في 2019، وهي نتائج تعيد الأمل لليسار الفرنسي عامة في معانقة حلم تسيير البلاد من جديد. علما أن "البيئيين" يُصنفون وسط اليسار أي بين أقصى اليسار والاشتراكيين.

تحالفات يسارية

ويعد الاشتراكيون الحليف الأساسي لهذه "القوة السياسية الخضراء" الجديدة في المشهد الحزبي الفرنسي. وساعدوهم في الفوز ببلديات، وإن حصلت مواجهة انتخابية بين الطرفين في بعض المدن كليل شمال البلاد، التي عاد الفوز بها إلى القيادية في الحزب الاشتراكي والعمدة المنتهية ولايتها مارتين أوبري بفارق ضئيل في الأصوات.

الحزب الاشتراكي، الذي يشكل القوة التقليدية الأولى في اليسار الفرنسي، استطاع من جانبه أن يحتفظ بالمدن التي ظل يسيرها لسنوات. ويتعلق الأمر بالمدن التالية: باريس، نانت، مونبوليي، رين، ديجون إضافة إلى مدن أخرى عبر التراب الفرنسي.

وعلاوة على الاشتراكيين، نال الخضر دعم قوى يسارية أخرى كالحزب الشيوعي، "فرنسا الأبية"، وغيرها، ولم يكن ممكنا "للموجة الخضراء" بمفردها أن تكتسح مدنا كبرى، ظلت حكرا على قوى اليمين خاصة، كما حصل في بوردو أو مرسيليا.

كما أن التحالفات التي حصلت بين الحزب الحاكم "الجمهورية إلى الأمام" وحزب اليمين "الجمهوريون" في بوردو وستراسبورغ، والتي كان يعتقد الجميع أنها ستعقد المهمة أمام "البيئيين"، إلا أنه حصل العكس، ليحققون بذلك مفاجأة انتخابية وفوزا تاريخيا كبيرا.

المستقبل المشترك للبيئيين وبقية قوى اليسار

يبدو أن هذه النتائج، بفضل تحالفات بين أحزاب اليسار، شجعت هذه القوى على مواصلة العمل المشترك في أفق المحطات الانتخابية المقبلة. الأمين العام لحزب البيئة جولينا بايو أكد على أن الفوز في هذه الانتخابات بداية فعلية للعمل الموحد بين قوى اليسار.

وقال بايو "فلنواصل تنمية المشترك أكثر بيننا بدل الانفصال"، معربا بذلك عن أمله في دخول غمار المحطات الانتخابية المرتقبة في شكل جبهات مشتركة، لجعل حلم الحكم في متناول اليسار من جديد، ولربما بزعامة "البيئيين" هذه المرة بدل حزب اليسار التقليدي "الاشتراكي".

وهذا الأمر صار ممكنا أكثر من أي وقت مضى مع يأس الفرنسيين من الأحزاب السياسية التقليدية، ودخولهم في فترة بحث وتجريب قوى سياسية جديدة على مستوى التسيير والحكم، الشيء الذي أكدته هذه الانتخابات المحلية، والتي أظهرت أن الناخب الفرنسي يراهن اليوم أكثر على البديل البيئي أكثر من رهانه على اليمين المتطرف، الذي يحاول أن يقدم نفسه بدوره خيارا جديدا أمام القوى التقليدية، وإن كان عزز وجوده في الجنوب بفوزه في مدينته بيربينيون.

وبهذه النتائج التي حققوها في الانتخابات المحلية، بات "البيئيون" الفرنسيون، على غرار رفاقهم في الكثير من الدول الأوروبية، أكبر قوة سياسية في بلادهم، حيث استفادوا من النقاش البيئي الدائر على المستوى العالمي، وتذمر الناخبين من الأحزاب التقليدية جراء فشلها في تجاوز إشكالات اقتصادية واجتماعية.

ومنح حزب البيئة أملا وطنيا جديدا لليسار، بإمكانية العودة إلى كراسي المسؤولية على مستوى الدولة. لكن الكثير من المراقبين يشددون على أن نتائج الانتخابات المحلية لا يمكن اعتبارها مؤشرا إيجابيا على ما يمكن أن تكون تؤول إليه الاستحقاقات الوطنية من انتخابات تشريعية ورئاسية، خاصة وأن أداء "البيئيين"، حسب مدير مرصد الحياة السياسية في مؤسسة جون جوريس إموريك بريي:  "ّدون المستوى خارج المدن الكبرى".

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.