هل يطير بنكيران إلى العيون لحل أزمة الاستقالات قبيل الانتخابات؟

تتجه قيادة حزب العدالة والتنمية إلى تكثيف جهودها لاحتواء واحدة من أكثر الأزمات التنظيمية حساسية التي عرفها الحزب بالأقاليم الجنوبية خلال السنوات الأخيرة، وذلك عقب الاستقالة الجماعية لأزيد من ثلاثين عضواً من أطره ومناضليه بجهة العيون الساقية الحمراء، في تطور أعاد إلى الواجهة إشكالية تدبير التوازنات الداخلية للحزب وقدرته على المحافظة على تماسكه التنظيمي قبل أشهر قليلة من الانتخابات التشريعية المقبلة، المزمع إقامتها في 23 شتنبر 2026.

وتفيد معطيات لـ”بلبريس” من داخل الحزب بأن حالة الاستنفار التي أعقبت الاستقالات دفعت عددا من قيادات العدالة والتنمية إلى الدعوة لتدخل مباشر للأمين العام عبد الإله بنكيران من أجل الانتقال إلى مدينة العيون وعقد لقاءات موسعة مع مختلف التيارات والفعاليات الحزبية المحلية، في محاولة لرأب الصدع التنظيمي ووقف نزيف الاستقالات الذي يهدد الحضور السياسي للحزب في واحدة من أهم جهات المملكة من الناحية السياسية والرمزية.

وبحسب المصادر ذاتها، فإن عددا من أعضاء القيادة الوطنية يعتبرون أن الأزمة تجاوزت حدود الخلاف التنظيمي العادي، وأصبحت تستوجب تدخلاً سياسيا مباشرا من قيادة الحزب، خاصة في ظل تزايد المؤشرات على اتساع فجوة الثقة بين جزء من القواعد المحلية والقيادة المركزية. كما تتجه الأنظار إلى دور الوزير السابق مصطفى الخلفي الذي يرجح أن يرافق بنكيران في زيارة مرتقبة إلى العيون ضمن مساعٍ تهدف إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي وفتح قنوات الحوار مع الأعضاء الغاضبين.

ولا تبدو الاستقالات الأخيرة معزولة عن سياق أعمق من التوترات التي راكمها الحزب بالمنطقة خلال السنوات الماضية. فوفق مصادر من داخل “البيجيدي”، فإن الخلافات تركزت حول تدبير الشأن الحزبي المحلي، وآليات اتخاذ القرار، وتوزيع المسؤوليات، فضلاً عن الجدل المرتبط بمنح التزكيات الانتخابية، وهو الملف الذي غالباً ما يتحول إلى مصدر احتقان داخل الأحزاب السياسية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

وتشير الرسالة التي وجهها المستقيلون إلى الأمانة العامة إلى وجود ما وصفوه بممارسات أفرزت شعورا بالإقصاء والتهميش لدى عدد من الكفاءات الحزبية، من أطر أكاديمية ومهندسين وقيادات نسائية ساهمت لسنوات في التأطير والتنظيم. كما تضمنت انتقادات حادة لما اعتبرته بعض الأصوات داخل الحزب انتقالاً تدريجياً من منطق العمل التنظيمي المؤسس على النضال الحزبي إلى مقاربات يغلب عليها هاجس التدبير الانتخابي وحسابات النفوذ المحلي.

وتكشف هذه التطورات عن إشكال أوسع يواجه العدالة والتنمية في الأقاليم الجنوبية، يتمثل في كيفية بناء تنظيمات حزبية مستقرة وقادرة على الاستمرار بعيداً عن رهانات المناسبات الانتخابية. فعدد من الفاعلين داخل الحزب يرون أن خصوصية المنطقة تتطلب مقاربة تنظيمية مختلفة تراعي طبيعة المجال الصحراوي وتمنح الأطر المحلية دوراً أكبر في صناعة القرار، بدل الاقتصار على تدبير الملفات من المركز.

وتدرك قيادة الحزب أن أي تصدع تنظيمي في جهة العيون الساقية الحمراء ستكون له انعكاسات سياسية تتجاوز حدود الجهة نفسها، بالنظر إلى الرمزية التي تمثلها الأقاليم الجنوبية في الخطاب السياسي الوطني. لذلك تتجه القيادة إلى تبني خيار المصالحة الداخلية والحوار المباشر بدل ترك الأزمة تتفاقم، خصوصاً أن الحزب يسعى إلى استعادة جزء من حضوره الانتخابي بعد التراجع الكبير الذي سجله خلال استحقاقات 2021.

وتعتبر مصادر حزبية لـ”بلبريس” أن الرهان الحالي لا يتعلق فقط بإقناع المستقيلين بالعدول عن قرارهم، بل بإعادة بناء الثقة داخل التنظيم الجهوي ووضع حد للصراعات الشخصية والتنظيمية التي أضعفت أداء الحزب خلال السنوات الأخيرة. كما أن نجاح بنكيران والخلفي في تقريب وجهات النظر قد يمنح الحزب فرصة لتجاوز الأزمة قبل دخول مرحلة التحضير الفعلي للاستحقاقات المقبلة.

ومع استمرار المشاورات الجارية، يبدو أن العدالة والتنمية مقبل على اختبار تنظيمي حقيقي في العيون، اختبار لن يقاس فقط بعدد العائدين إلى صفوف الحزب أو بحجم الاستقالات المسجلة، بل بمدى قدرة القيادة على تقديم أجوبة سياسية وتنظيمية مقنعة لمعالجة الاختلالات التي ظلت تتراكم بصمت داخل أحد أكثر معاقله حساسية على المستوى الوطني.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *