الجزائر تتحول إلى بؤرة للهجرة السرية وتحرج نظام الكابرانات

بينما تواصل السلطات الجزائرية الترويج لخطاب “القوة الضاربة”، تكشف الأرقام الأوروبية واقعا مغايرا، عنوانه تصاعد غير مسبوق للهجرة غير النظامية انطلاقا من السواحل الجزائرية، في مشهد يعكس اتساع دائرة الأزمات الداخلية وعجز النظام عن الحد من نزيف الشباب الباحث عن مستقبل خارج البلاد.

 

وأظهرت أحدث معطيات وكالة “فرونتكس” الأوروبية لحرس الحدود والسواحل أن الجزائر أصبحت نقطة الانطلاق الرئيسية للهجرة غير النظامية عبر غرب البحر الأبيض المتوسط، في وقت تتراجع فيه أعداد المهاجرين عبر معظم المسارات الأخرى نحو أوروبا.

 

وكشفت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، في تحليل استند إلى بيانات الوكالة الأوروبية، أن مسار غرب المتوسط هو الوحيد الذي سجل ارتفاعا لافتا خلال سنة 2026، بعدما قفزت محاولات العبور بنسبة 50 في المائة بين يناير وأبريل، بمتوسط يناهز 1300 محاولة شهريا عبر مضيق جبل طارق، معتبرة أن السواحل الجزائرية تحولت إلى “الغربال الجديد” لشبكات تهريب البشر.

 

ويأتي هذا التطور في وقت شهدت فيه الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي انخفاضا عاما في الهجرة غير النظامية بنسبة 26 في المائة خلال سنة 2025، قبل أن يتعمق التراجع إلى 40 في المائة خلال الربع الأول من سنة 2026، بينما ظلت الجزائر الاستثناء الأبرز.

 

وتعزو التقارير الأوروبية هذا التحول إلى تشديد الرقابة الأمنية بالمغرب وموريتانيا وعدد من دول غرب إفريقيا، وهو ما دفع شبكات التهريب إلى نقل أنشطتها نحو الجزائر، التي أصبحت، وفق التقرير، الوجهة المفضلة لهذه الشبكات بسبب ضعف فعالية التعاون الأمني مقارنة بالدول المجاورة.

 

ولم تخف “لوفيغارو” أن هذا الواقع يضعف خطاب السلطات الجزائرية بشأن بناء علاقات جديدة مع أوروبا، في وقت تغيب فيه الجزائر عن قائمة الدول الشريكة للاتحاد الأوروبي في مكافحة الهجرة، والتي تضم المغرب وتونس وموريتانيا ومصر والسنغال.

 

وأكد المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة، ماغنوس برونر، أن النتائج الإيجابية المسجلة في باقي المسارات تعود إلى نجاعة الشراكات مع دول العبور، بينما أوضح المدير السابق لشرطة الحدود الفرنسية، فرنان غونتييه، أن نجاح هذه المقاربة يقوم على منع الانطلاقات وتفكيك شبكات التهريب وتعزيز التنسيق مع السلطات المحلية، وهي آليات لا تشمل الجزائر.

 

وأبرزت الصحيفة أن شبكات تهريب البشر تعيد باستمرار رسم خرائطها، مفضلة البلدان التي توفر ظروفا أكثر مرونة أو أقل صرامة في المراقبة، وهو ما ساهم في تحويل السواحل الجزائرية إلى إحدى أبرز نقاط الانطلاق نحو أوروبا.

 

وتضع بيانات “فرونتكس” الجزائريين في صدارة الجنسيات التي تعبر مضيق جبل طارق، يليهم الماليون ثم المغاربة، فيما اعتبرت “لوفيغارو” أن السياسة المعتمدة من الحكومة الإسبانية تشكل عاملا إضافيا يشجع المهربين على توجيه مزيد من المهاجرين نحو السواحل الإسبانية.

 

في المقابل، سجل مسار المحيط الأطلسي نحو جزر الكناري تراجعا حادا بلغ 78 في المائة، بفضل التعاون الوثيق بين الاتحاد الأوروبي والدول الشريكة، حيث تمكنت موريتانيا وحدها من توقيف أكثر من 30 ألف مهاجر، ورحلت الآلاف منهم نحو مالي ودول أخرى.

 

كما أظهرت دراسة للمركز المشترك للهجرة أن تشديد المراقبة على السواحل المغربية والموريتانية دفع المهربين إلى البحث عن منافذ جديدة، كان أبرزها السواحل الجزائرية، في تأكيد جديد على التحول الذي تعرفه خريطة الهجرة السرية بالمنطقة.

 

ورغم أن الدوافع الاقتصادية تبقى المحرك الرئيسي للهجرة، فإن شهادات المهاجرين توثق أيضا معاناة كبيرة خلال الرحلات البحرية، حيث أكد أغلبهم أنهم واجهوا مخاطر حقيقية تهدد حياتهم، وفي مقدمتها الغرق والجوع والبرد والأمراض.

 

وتخلص “لوفيغارو” إلى أن الهجرة ستظل تحديا قائما، غير أن استمرار تصاعد الانطلاقات من الجزائر، رغم نجاح الدول المجاورة في الحد منها، يثير تساؤلات متزايدة حول مدى جدية السلطات الجزائرية في مواجهة شبكات التهريب والحد من تفاقم الظاهرة.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *