تُشكل مرحلة مشاورات صياغة التحالفات الحكومية وإعادة رسم الخريطة السياسية عقب الانتخابات محطة مفصلية تختبر فيها مدى قدرة الأحزاب السياسية على المناورة وتفعيل القواعد الدستورية.
وفي الوقت الذي تذهب فيه القراءات الأولية غالبا نحو حسم التحالفات وفق لغة المقاعد والأرقام المحصل عليها، تفرض الواقعية السياسية والضوابط الدستورية معايير أكثر عمقا تعتمد على التوازنات التكتيكية بين الأغلبية والمعارضة، لاسيما ما يتعلق بالصلاحيات الممنوحة للمعارضة داخل المؤسسة التشريعية، وعلى رأسها قيادة لجنة التشريع.
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي الدكتور ميلود بلقاضي أن محطات المجالس الوطنية الأخيرة لمختلف الأحزاب السياسية لم تحمل مفاجآت كبيرة؛ إذ جاءت خطوة تفويض القرار للقيادات الحزبية في إطار الممارسات الشكلية المعتادة، بالنظر إلى طبيعة النظام الحزبي المغربي الذي يمنح القائد والمكتب التنفيذي سلطة التوجيه والتحكم الفعلي في مسار التكتلات والتحالفات.
![]()
وقد توقف الدكتور بلقاضي من خلال برنامج “بكل وضوح” الذي يبث على قناة “بلبريس” عند البلاغ الصادر عن المجلس الوطني لحزب التجمع الوطني للأحرار، والذي أعاد التأكيد على ما ورد في بلاغ مكتبه السياسي بشأن الرغبة في المشاركة الحكومية لمواصلة تنزيل المشاريع، واعتبر المحلل السياسي أن هذا الخطاب مجرد مضيعة للوقت، مشيرا إلى أن كافة المؤشرات السياسية والميدانية ترجح كفة اصطفاف الحزب في خانة المعارضة خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح المتحدث ذاته أنه لا يمكن من الناحية الدستورية والسياسية مناقشة موقع حزبي “الاستقلال” و”التجمع الوطني للأحرار” في التشكيلة الحكومية المرتقبة دون الاستناد إلى أحكام الفصل العاشر من دستور 2011. وأبرز أن هذا الفصل الجوهري يمنح المعارضة صلاحيات وإمكانات واسعة، في مقدمتها ترؤس إحدى أهم اللجان البرلمانية وهي “لجنة التشريع”.
وأضاف بلقاضي أن قيادة حزب الأصالة والمعاصرة المتمثلة في المنصوري أثناء مشاورات تشكيل الحكومة، لا تنظر فقط إلى حجم الأرقام والمقاعد المحصل عليها في انتخابات 23 شتنبر، بل تضع النص الدستوري حاسما في حساباتها؛ لكون الخشية من ترؤس حزب العدالة والتنمية (PJD) لهذه اللجنة المحورية قد يضع الحكومة المقبلة تحت ضغط تشريعي وحرج سياسي كبيرين قد يهددان استمرارها وسلاسة عملها.
وفي هذا الصدد، أشار الدكتور بلقاضي إلى أن المنطق السياسي والبراغماتية التكتيكية يدفعان باتجاه الحفاظ على حزب الاستقلال داخل التشكيلة الحكومية وتوجيه حزب التجمع الوطني للأحرار نحو المعارضة. وعزا ذلك إلى أن بقاء حزب الاستقلال -بما يملكه من تاريخ وتنظيم حزبي ورصيد انتخابي- يُعطي شرعية أكبر لحزب الأصالة والمعاصرة.
وفي المقابل، يُعد دفع حزب التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة الخيار الأقل تكلفة سياسية، إذ سيُتيح لـ”الأحرار” ترؤس لجنة التشريع بسند عددي وسياسي، مما يقطع الطريق أمام حزب العدالة والتنمية لترؤس هذه اللجنة الأساسية، ويمكن “الأحرار” من لعب دور قوي داخل مجلس النواب يقدم من خلاله خدمات جليلة للتكتل الحكومي بصفة عامة.
واختتم الدكتور ميلود بلقاضي تصريحه بالتأكيد على أنه بالرغم من أن المجالس الوطنية منحت القيادات التفويض الكامل، إلا أن معالم الخريطة الحكومية أضحت واضحة لدى قيادة الأصالة والمعاصرة، والتي تتصدرها مشاركة حزب الاستقلال، إلى جانب ترقب موقف حزب التقدم والاشتراكية بعد عقد مجلسه الوطني.