تبون يواجه غضب الشارع الجزائري بورقة الإعدام والردع

في الوقت الذي تتصاعد فيه الأسئلة داخل الجزائر حول أسباب موجة الحرائق المميتة وتدبير السلطات للأزمة، اختارت الرئاسة الجزائرية رفع سقف الخطاب العقابي، عبر التلويح بعقوبة الإعدام وتشديد العقوبات بحق المتورطين في إشعال النيران واختطاف القاصرين.

وأعلن مجلس الوزراء، برئاسة عبد المجيد تبون في 6 شتنبر 2026، عن توجه لتعديل قانون العقوبات بشكل عاجل، في خطوة تقدمها السلطة باعتبارها استجابة صارمة للكارثة، لكنها تفتح في المقابل نقاشًا واسعًا حول جدوى هذه الإجراءات وما إذا كانت تعالج أصل المشكلة أم تكتفي بتهدئة الغضب الشعبي عبر خطاب العقاب والردع.

وتبرز المفارقة في كون العقوبات التي يجري تقديمها باعتبارها تشديدًا جديدًا موجودة أصلًا ضمن المنظومة القانونية الجزائرية. فالقانون الجنائي يتضمن مقتضيات تتيح الحكم بالإعدام في حالات معينة مرتبطة بإضرام الحرائق عمدًا إذا أسفر الفعل عن وفاة أشخاص، كما ينص قانون مكافحة اختطاف الأطفال الصادر سنة 2020 على عقوبات تصل إلى الإعدام في حالات محددة تقترن بوفاة الضحية.

ومن هنا، يطرح الإعلان الرئاسي سؤالًا أساسيًا حول الإضافة التي سيحققها التعديل المقترح، في وقت تتضمن فيه الترسانة القانونية أصلًا عقوبات بالغة القسوة. ويعتبر منتقدون أن التركيز على العقوبة القصوى قد يكون أسهل سياسيًا من فتح نقاش مسؤول حول الوقاية من الحرائق، وفعالية أجهزة الإنقاذ، ومدى جاهزية السلطات للتعامل مع الكوارث الطبيعية.

وبعد سقوط عشرات الضحايا واتساع رقعة الحرائق، تبدو مطالب الشارع أوسع من مجرد رفع سقف العقوبات. فالأسئلة المطروحة تتعلق بوسائل الإطفاء، وسرعة التدخل، والتجهيزات اللوجستية، وآليات الوقاية، ومدى استعداد المؤسسات المعنية لمواجهة موجات الحر والحرائق، إضافة إلى تحديد المسؤوليات في حال ثبوت أي تقصير.

وفي هذا السياق، يرى الإعلامي الجزائري عبدو السمار أن الإعلان الرئاسي لا يتجاوز، بحسب قراءته، حدود الترويج السياسي لعقوبات قائمة أصلًا، معتبرًا أن السلطة تقدم إجراءات موجودة مسبقًا وكأنها استجابة تشريعية جديدة للأزمة.

ويزداد الجدل حدة بالنظر إلى أن الجزائر ظلت، منذ سنة 1993، في حالة تعليق فعلي لتنفيذ أحكام الإعدام، رغم استمرار القضاء في إصدارها في بعض القضايا الجنائية. ولذلك فإن العودة إلى طرح مسألة التنفيذ تفتح الباب أمام تداعيات حقوقية وسياسية تتجاوز ملف الحرائق نفسه.

كما يرافق الخطاب الرسمي المتعلق بالحرائق حديث عن الإرهاب والتخريب ووجود مخططات تستهدف أمن البلاد، غير أن هذه الفرضيات تظل بحاجة إلى تحقيقات علنية وأدلة واضحة تكشف هوية المتورطين وطبيعة الأفعال المنسوبة إليهم. أما الاكتفاء بخطاب أمني عام، فقد يزيد من الانتقادات الموجهة إلى السلطة، خصوصًا إذا استُخدم لتفسير الكارثة بعيدًا عن تقييم الأداء المؤسساتي في مواجهتها.

ويخشى منتقدون أن يؤدي التركيز المفرط على البعد الأمني إلى صرف الانتباه عن جوهر الأزمة، وتحويل النقاش من سؤال الجاهزية والمسؤولية إلى سؤال العقوبة فقط. فحتى في حال ثبوت مسؤولية أشخاص عن إشعال الحرائق عمدًا، يبقى من المشروع طرح أسئلة موازية حول كيفية منع تكرار الكارثة وحماية السكان والمناطق المتضررة.

وفي خضم هذا الجدل، تبدو عقوبة الإعدام بالنسبة إلى السلطة ورقة ذات تأثير قوي على الرأي العام، خصوصًا في أعقاب مأساة خلفت ضحايا وخسائر مادية وبيئية كبيرة. غير أن رفع شعار العقوبة القصوى لا يقدم، في حد ذاته، إجابة عن أوجه القصور المحتملة في إدارة الأزمات ولا يعفي المؤسسات من تقديم حصيلة واضحة حول تدبير الكارثة.

كما أن أي توجه نحو إعادة تنفيذ أحكام الإعدام سيضع الجزائر أمام نقاش حقوقي ودبلوماسي حساس، بالنظر إلى الجدل الدولي المستمر بشأن هذه العقوبة، فضلًا عن ارتباطها بضمانات المحاكمة العادلة واحتمال وقوع أخطاء قضائية لا يمكن تداركها بعد التنفيذ.

وفي المقابل، برزت أصوات سياسية جزائرية تعارض جعل الإعدام الحل الأساسي لمواجهة الجرائم الخطيرة. ومن بين هذه الأصوات الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون، التي رفضت التوجه معتبرة أن مكافحة الجريمة لا ينبغي أن تقوم على إزهاق أرواح المدانين.

وتعيد هذه المواقف إلى الواجهة إشكالية أوسع تتعلق بحدود العقوبة ودور الدولة في معالجة أسباب الجريمة. فالتشدد في الأحكام لا يمكن أن يكون بديلًا عن إصلاح المؤسسات، وتعزيز آليات الوقاية، وتحسين أداء أجهزة الإنقاذ، ومعالجة العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي قد تساهم في تفاقم بعض أشكال الجريمة.

وتضع أزمة الحرائق السلطة الجزائرية، في نهاية المطاف، أمام اختبار يتجاوز تعديل قانون العقوبات. فالمواطنون ينتظرون معرفة ما جرى، وكيف جرى التعامل مع الكارثة، وما إذا كانت الإمكانات المتوفرة كافية لحماية السكان، ومن يتحمل المسؤولية عن أي تقصير قد تثبته التحقيقات.

وبذلك، فإن التلويح بالإعدام قد يمنح السلطة أداة لرفع منسوب الخطاب الصارم وامتصاص جزء من الغضب الشعبي، لكنه لا يلغي الأسئلة التي فرضتها الكارثة على المشهد الجزائري. بل إن استمرار التركيز على العقوبة، دون تقديم أجوبة مقنعة بشأن الوقاية والاستعداد والمحاسبة، قد يدفع إلى مزيد من التساؤلات حول ما إذا كانت السلطة تعالج جذور الأزمة أم تكتفي بإدارة تداعياتها سياسيًا وإعلاميًا.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *