سجن في “صحراء الموت”.. هل تحارب الجزائر المخدرات أم الغضب؟

بدلاً من أن تبدأ معركة مكافحة المخدرات من تفكيك شبكات التهريب وتجفيف منابعها المالية وتعقب كبار المتورطين، اختارت السلطات الجزائرية اللجوء إلى أقصى الجنوب، حيث الصحراء القاحلة والحرارة الخانقة والعزلة شبه المطلقة، لتحويل ثكنة عسكرية في منطقة تنزروفت إلى سجن شديد الحراسة مخصص، وفق الرواية الرسمية، لـ«بارونات المخدرات ومروجيها».

 

القرار، الذي جاء عقب اجتماع ترأسه عبد المجيد تبون للمجلس الأعلى للأمن، ترافق مع إعلان توجه نحو إنشاء جهاز متخصص في مكافحة المخدرات على غرار وكالة مكافحة المخدرات الأمريكية، في محاولة واضحة لإظهار قبضة أمنية قوية أمام الرأي العام، في وقت باتت فيه قضية المؤثرات العقلية والمخدرات من أكثر الملفات إثارة للقلق داخل الجزائر.

 

لكن اختيار تنزروفت تحديداً سرعان ما حوّل الإجراء من قرار أمني إلى قضية سياسية وحقوقية. فالمكان الذي يراد تقديمه باعتباره «ألكاتراز الجزائر» يقع في واحدة من أكثر المناطق الصحراوية قسوة، ما دفع إلى طرح سؤال أساسي: هل تبحث السلطات فعلاً عن حلول لشبكات المخدرات، أم أنها تراهن على جغرافيا قاسية لصناعة صورة إعلامية عن «السجن الذي لا يهرب منه أحد»؟

 

المفارقة أن السلطات الجزائرية لم تقدم، بحسب المعطيات المتداولة، تفاصيل كافية حول طبيعة المنشأة وشروط الاحتجاز فيها وضمانات حماية حقوق السجناء، بينما سارعت وسائل إعلام موالية إلى إبراز البعد الردعي للموقع، وكأن قسوة الصحراء أصبحت بديلاً عن نجاعة المؤسسات القضائية والأمنية.

 

وتنتمي منطقة تنزروفت إلى واحدة من أشد البيئات الصحراوية قسوة في الجزائر، وهي منطقة واسعة تمتد جنوب غربي البلاد قرب الحدود مع مالي. ويعرف جزء كبير منها محلياً بتسميات تحيل إلى العطش والموت والخطر، فيما تجعل المسافات الشاسعة وندرة المياه وصعوبة التضاريس منها منطقة شديدة العزلة.

 

وتزداد الصورة قتامة عندما يتعلق الأمر بتحويل موقع عسكري معزول إلى مؤسسة سجنية. فالسجن، وفق المعايير الحقوقية الحديثة، لا يفترض أن يكون مجرد مكان لعزل الأشخاص عن المجتمع، بل مؤسسة تخضع لقواعد واضحة تضمن الكرامة الإنسانية والرعاية الصحية والماء والغذاء والاتصال بمحامي الدفاع والرقابة القضائية.

 

ومن هنا تبدأ الأسئلة المحرجة للسلطات الجزائرية: ما طبيعة ظروف الاحتجاز؟ وما الضمانات الطبية؟ ومن سيراقب المؤسسة؟ وهل سيتمكن المحامون وعائلات المعتقلين والمنظمات الحقوقية من الوصول إليها؟ وهل ستخضع هذه المنشأة للرقابة القضائية والحقوقية نفسها المفروضة على باقي السجون؟

 

وتزداد حساسية هذه الأسئلة في ظل سجل الجزائر الحقوقي الذي ظل محل انتقادات من منظمات وهيئات دولية، خصوصاً بشأن التعامل مع المعارضين والنشطاء والصحافيين. ولذلك فإن إقامة سجن شديد العزلة في منطقة نائية تثير مخاوف من إمكانية استخدام الموقع مستقبلاً خارج الإطار الذي تعلنه السلطات رسمياً.

 

كما أن تحويل ثكنة عسكرية إلى سجن يطرح بحد ذاته علامات استفهام حول طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمنظومة الأمنية والقضائية في تدبير هذا الملف. فالمعركة ضد المخدرات لا تقاس بعدد المعتقلات أو قسوة مواقعها، وإنما بقدرة الدولة على الوصول إلى الشبكات التي تقف خلف عمليات التهريب والتوزيع وتمويلها.

 

وفي هذا السياق، برزت تصريحات الإعلامي الجزائري المعارض هشام عبود، الذي قدم رواية مختلفة تماماً عن الخطاب الرسمي. فقد شكك في جدوى الإجراء، واعتبر أن التركيز على صغار المروجين قد يصرف الأنظار عن المستويات الأعلى من شبكات التهريب.

 

عبود ذهب أبعد من ذلك عندما وجه اتهامات إلى شخصيات داخل المؤسسة العسكرية بشأن صلات مزعومة بشبكات تهريب، وهي اتهامات خطيرة لم تقدم السلطات الجزائرية، في المعطيات المتداولة، رداً قضائياً مفصلاً عليها. ولذلك تبقى هذه الادعاءات في إطار الاتهامات السياسية والإعلامية التي تحتاج إلى أدلة مستقلة وتحقيقات قضائية حتى تتحول إلى وقائع مثبتة.

 

غير أن أهمية تصريحات عبود لا تكمن فقط في مضمون الاتهامات، بل في أنها تكشف حجم أزمة الثقة بين جزء من المعارضة الجزائرية والرواية الرسمية. فكلما أعلنت السلطة إجراءً أمنياً جديداً، تظهر في المقابل روايات مضادة تشكك في الأهداف الحقيقية للقرار وتربطه بصراعات النفوذ داخل أجهزة الدولة.

 

واللافت أن السلطة الجزائرية اختارت، في مواجهة ملف معقد مثل المخدرات والمؤثرات العقلية، الجمع بين خطاب أمني شديد اللهجة وإجراء ذي حمولة رمزية كبيرة. فصورة سجن في قلب الصحراء تخدم إعلامياً فكرة «العقاب الذي لا مفر منه»، لكنها لا تجيب عن السؤال الأهم: كيف وصلت المخدرات إلى المدن والأحياء والأسواق؟ ومن يمول شبكات توزيعها؟ وكيف تدخل الشحنات الكبرى إلى البلاد؟ ومن يحمي مساراتها إذا كانت فعلاً منظمة وعابرة للحدود؟

 

هذه الأسئلة أكثر أهمية من درجة الحرارة في تنزروفت، لأن مكافحة المخدرات لا تنجح بتحويل الصحراء إلى أداة عقاب، وإنما بتفكيك السلسلة كاملة، من التمويل إلى التهريب والتخزين والتوزيع وغسل الأموال.

 

كما أن الإعلان عن جهاز جديد على غرار وكالة مكافحة المخدرات الأمريكية يطرح بدوره سؤالاً حول مدى قدرة المؤسسات الجزائرية القائمة على القيام بالمهمة نفسها. فإحداث جهاز أمني جديد لا يضمن وحده النجاح إذا ظلت المشكلة مرتبطة بالتنسيق بين أجهزة متعددة، وبالشفافية، وبالرقابة القضائية، وبالقدرة على الوصول إلى كبار المستفيدين من تجارة المخدرات.

 

وفي النهاية، قد يتحول «ألكاتراز الجزائر» إلى رمز دعائي أكثر منه حلاً أمنياً إذا لم تترافق هذه الخطوة مع استراتيجية شاملة وشفافة. فالسجن مهما كان محصناً لا يوقف تجارة المخدرات، والصحراء مهما كانت قسوتها لا تفكك شبكات الجريمة المنظمة.

 

المطلوب، قبل صناعة صورة «السجن الذي لا يهرب منه أحد»، هو كشف من يقف خلف شبكات التهريب، ومحاسبة كل من تثبت التحقيقات تورطه، أياً كان موقعه أو نفوذه. أما الاكتفاء بإرسال الموقوفين إلى أقصى الجنوب، فقد يمنح السلطة صورة القوة لبعض الوقت، لكنه لن يبدد الأسئلة المتزايدة حول جذور الظاهرة ولا حول مدى جدية الجزائر في الوصول إلى «الرؤوس الكبيرة» بدل الاكتفاء بمن يوجدون في أسفل الهرم.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *