في خطوة تعكس تحولا لافتا في سلوك السلطة الجزائرية، أعلن النظام في الجزائر إعادة فتح مجاله الجوي أمام الطائرات المالية، إلى جانب إعادة سفيره إلى باماكو، بعد أشهر من القطيعة السياسية والدبلوماسية التي بلغت ذروتها خلال سنة 2025. غير أن هذا التطور لا يُقرأ باعتباره مصالحة حقيقية، بقدر ما يعكس محاولة للخروج من أزمة إقليمية ساهم النظام نفسه في تعميقها، بعدما وجد نفسه محاصرا بعزلة متزايدة داخل فضاء الساحل.
وجاء القرار الجزائري عبر بيانين منفصلين؛ الأول صادر عن وزارة الدفاع والثاني عن وزارة الخارجية، وهو ما أثار تساؤلات بشأن الجهة التي تدير فعليا الملفات السيادية في البلاد. فبينما أعلنت وزارة الدفاع إعادة فتح المجال الجوي، سارعت الخارجية إلى الإعلان عن إعادة السفير إلى باماكو، في مشهد اعتبره متابعون مؤشرا جديدا على ازدواجية مراكز القرار داخل النظام الجزائري، حيث يبدو نفوذ المؤسسة العسكرية حاضرا بقوة في رسم السياسة الخارجية.
وفي المقابل، تعاملت السلطات المالية مع الخطوة الجزائرية ببيان حكومي موحد، أعلنت فيه إعادة سفيرها إلى الجزائر وفتح مجالها الجوي، دون أن تخفي أن الأمر يندرج في إطار إعادة تفعيل التعاون، مع الاحتفاظ بهامش واضح من الحذر تجاه الجار الشمالي.
ورغم هذا الانفراج الظاهري، فإن جذور الأزمة بين البلدين ما تزال قائمة. فالتوتر لم يبدأ بإسقاط الجيش الجزائري لطائرة مسيرة مالية داخل الأراضي المالية في ربيع 2025، بل يمتد إلى سنوات من الخلافات حول مقاربة الجزائر للملف المالي، واتهامات متكررة لباماكو بتدخل الجزائر في شؤونها الداخلية واحتضان شخصيات معارضة ومسلحة تعتبرها السلطات المالية تهديدا لأمنها.
كما زادت الأزمة تعقيدا بعدما رفضت الحكومة المالية اتفاق الجزائر لسنة 2015، عقب استعادتها السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد، معتبرة أن المرحلة تغيرت وأن الاتفاق لم يعد يعكس الواقع الميداني، وهو ما شكل ضربة للدور الذي سعت الجزائر إلى تكريسه باعتبارها الوسيط الرئيسي في الملف المالي.
وفي السنوات الأخيرة، لم تتردد باماكو في توجيه اتهامات مباشرة للسلطات الجزائرية بدعم جماعات مسلحة تنشط في منطقة الساحل، وهي اتهامات جرى تكرارها في محافل دولية، بما فيها اجتماعات الأمم المتحدة، في تصعيد غير مسبوق كشف حجم انهيار الثقة بين البلدين.
ويرى مراقبون أن التراجع الجزائري لا يمكن فصله عن التحولات الميدانية التي شهدتها مالي خلال الأشهر الأخيرة، حيث فشلت رهانات إرباك السلطة في باماكو، بينما تمكن الجيش المالي من تعزيز مواقعه واستعادة زمام المبادرة، الأمر الذي دفع الجزائر إلى مراجعة حساباتها ومحاولة احتواء الخسائر السياسية والدبلوماسية.
كما يأتي هذا التحول في وقت يواجه فيه النظام الجزائري انتقادات متزايدة بسبب توتر علاقاته مع عدد من دول الجوار، ما جعل سياسة التصعيد المستمرة ترتد عليه، وتضعه أمام واقع إقليمي أكثر تعقيدا، فرض عليه اعتماد لغة التهدئة بعد سنوات من الخطاب المتشدد.
وبينما يروج النظام الجزائري لهذه الخطوة باعتبارها انفراجا دبلوماسيا، فإن كثيرين يعتبرونها تراجعا فرضته موازين القوى الجديدة، أكثر من كونها خيارا سياديا. فإعادة السفراء وفتح الأجواء لا تكفي، في نظر المتابعين، لإنهاء أزمة عميقة صنعتها سنوات من فقدان الثقة وتضارب المصالح، وهو ما يجعل مستقبل العلاقات بين الجزائر ومالي رهينا بمدى استعداد الجزائر لتغيير نهجها الإقليمي والتخلي عن السياسات التي تتهمها باماكو بأنها ساهمت في زعزعة استقرار منطقة الساحل.