هل يختبر سعر المحروقات أولى وعود الحكومة بعد الانتخابات

مع إسدال الستار على الانتخابات التشريعية، تتجه أنظار المغاربة إلى ملفات القدرة الشرائية والأسعار، وفي مقدمتها المحروقات، التي أصبحت من أكثر المؤشرات ارتباطاً بتكلفة المعيشة والنقل والخدمات. وبينما رفعت الأحزاب خلال الحملة الانتخابية شعارات حماية القدرة الشرائية ومواجهة ارتفاع الأسعار، فإن إمكانية انخفاض أسعار الغازوال والبنزين خلال الفترة المقبلة لن تكون مرتبطة بالوعود الانتخابية وحدها، بل ستتوقف بدرجة كبيرة على اتجاهات سوق النفط العالمية، وسعر صرف الدرهم، وهوامش التكرير والتوزيع، إلى جانب الخيارات التي ستتبناها الحكومة المقبلة.

 

وتأتي هذه الأسئلة في ظرف دولي شديد التقلب. فقد تراجعت أسعار النفط، الجمعة، بأكثر من 2 في المائة، إذ انخفض خام برنت إلى 104.32 دولار للبرميل، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط إلى 92.41 دولاراً. ويعكس هذا الانخفاض اليومي تحسن رهانات السوق بشأن إمكانية التوصل إلى مسار تفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، ولا سيما ما يرتبط بإعادة فتح مضيق هرمز، في مقابل استمرار مخاطر جيوسياسية أخرى مرتبطة بالهجمات على السعودية وتعطل بعض منشآت الطاقة الروسية.

 

وإذا استمر هذا الاتجاه الهبوطي للنفط خلال الأسابيع المقبلة، فقد يفتح ذلك المجال أمام تراجع تدريجي لأسعار المحروقات في السوق المغربية، لكن ليس بالضرورة وبالسرعة نفسها التي تتحرك بها الأسعار العالمية. فأسعار الوقود في المغرب لا تتحدد على أساس سعر النفط الخام وحده، بل تتأثر أيضاً بتكاليف التكرير والنقل والتوزيع والضرائب وسعر صرف العملة، كما أن انعكاس تغيرات السوق الدولية على سعر المضخة يتم عادة بتأخر زمني.

 

وتكشف الأسعار المسجلة خلال شتنبر الجاري حجم الضغط الذي تعرض له المستهلك المغربي. ففي فاتح شتنبر ارتفع سعر الغازوال بنحو ستة سنتيمات ليقترب من 15 درهماً للتر، فيما استقر البنزين في حدود 14.94 درهماً. وبعد أسبوعين فقط، ارتفع الغازوال مجدداً بنحو 34 سنتيماً والبنزين بنحو 27 سنتيماً، لتتجاوز الأسعار عتبة 15 درهماً في عدد من المحطات.

 

وبالتالي، فإن السؤال المطروح بعد الانتخابات لا يتعلق فقط بما إذا كان النفط سينخفض، وإنما أيضاً بما إذا كانت الحكومة المقبلة ستكتفي بانتظار تراجع الأسعار الدولية، أم ستبحث عن أدوات إضافية لتخفيف أثر المحروقات على الأسر والمهنيين والنقل والإنتاج.

 

وتزداد أهمية هذا السؤال بالنظر إلى أن حماية القدرة الشرائية كانت حاضرة بقوة في البرامج الانتخابية للأحزاب. فقد جعل حزب التجمع الوطني للأحرار، ضمن برنامجه للفترة 2026-2031، حماية القدرة الشرائية أحد التزاماته الأساسية، إلى جانب تحسين الخدمات العمومية والإدماج الاقتصادي، فيما تحدث الحزب عن مواصلة دعم الأسر وربط الدعم الاجتماعي بالمستوى المعيشي.

 

أما حزب الأصالة والمعاصرة، فقد وضع بدوره القدرة الشرائية في صدارة برنامجه الانتخابي، من خلال “ميثاق القدرة الشرائية”، الذي يتضمن إجراءات تستهدف الأسعار والأجور والمعاشات والدعم الاجتماعي، إلى جانب ميثاق يتعلق بالأمان الاستراتيجي، ومن ضمنه الأمن الطاقي. ويقدم الحزب برنامجه باعتباره التزاماً لخمس سنوات، مع رصد تمويلات لتنزيل مختلف المواثيق.

 

وهنا تظهر المفارقة الأساسية: الأحزاب تستطيع أن تلتزم بحماية القدرة الشرائية، لكنها لا تتحكم منفردة في سعر برميل النفط في الأسواق العالمية. فحتى في حال تشكيل حكومة تتبنى إجراءات قوية لتخفيف الأسعار، فإن استمرار النفط فوق 100 دولار للبرميل، أو عودة التوترات في مضيق هرمز، قد يحدان من هامش المناورة ويعيدان الضغط على الأسعار المحلية.

 

في المقابل، فإن السيناريو المعاكس قد يكون أكثر ملاءمة للمستهلك المغربي. فإذا تحولت الآمال الدبلوماسية بين واشنطن وطهران إلى اتفاق فعلي، واستقرت حركة الملاحة في مضيق هرمز، وتراجعت المخاطر المرتبطة بإمدادات السعودية وروسيا، فقد تنخفض علاوة المخاطر التي أضيفت إلى أسعار النفط خلال الأزمة. وتُظهر بيانات تتبع السفن أن تدفقات الخام عبر مضيق هرمز بلغت 33.7 مليون برميل خلال الأسبوع الذي بدأ في 20 شتنبر، في مؤشر على استمرار حركة الصادرات بوتيرة قريبة من الأسبوع السابق، رغم التوترات.

 

غير أن انخفاض النفط في الأسواق العالمية لا يعني تلقائياً انخفاضاً فورياً ومماثلاً في محطات الوقود المغربية. فالفارق بين سعر الخام وسعر المحروقات عند المضخة يشمل مراحل متعددة، كما أن هوامش التوزيع والضرائب وسعر الصرف يمكن أن تحد من حجم الانخفاض الذي يصل إلى المستهلك النهائي. ولذلك، فإن مراقبة سعر برنت وحده لن تكون كافية للحكم على اتجاه أسعار الغازوال والبنزين في المغرب.

 

ويظهر عامل آخر في النقاش الداخلي، يتعلق بهوامش شركات توزيع المحروقات. فقد طرح حزب العدالة والتنمية خلال الحملة الانتخابية فكرة وضع سقف لهوامش أرباح موزعي الوقود، بهدف التأثير في الأسعار عند المضخة مع الإبقاء على تحرير السوق. وهذه المقاربة تختلف عن انتظار انخفاض الأسعار الدولية، لأنها تستهدف مكونات داخلية من السعر النهائي.

 

ومن هذه الزاوية، قد تتحول المحروقات بعد الانتخابات إلى اختبار عملي لوعود الأحزاب بشأن القدرة الشرائية. فإذا تراجعت أسعار النفط عالمياً، سيكون النقاش منصباً على مدى انتقال هذا الانخفاض إلى محطات الوقود؛ أما إذا بقي النفط مرتفعاً، فسيكون الاختبار مرتبطاً بقدرة الحكومة المقبلة على استعمال الأدوات المالية والتنظيمية والاجتماعية لتقليص أثر الصدمة على الأسر والمهنيين.

 

وبالنسبة للمغاربة، فإن المؤشر الأكثر أهمية خلال الأسابيع المقبلة سيكون موعد المراجعة المقبلة لأسعار المحروقات وحجم التغيير الذي سيصل إلى المضخة. فالمعطيات المتاحة تشير إلى أن السوق المغربية تعرف مراجعات دورية، وأن الأسعار تستجيب، مع تأخر نسبي، للتحولات في الأسواق العالمية. وكانت الأسعار المسجلة في 16 شتنبر في الدار البيضاء تدور حول 15.30 درهماً للغازوال و15.20 درهماً للبنزين، مع اختلافات بحسب الشركة والمحطة والموقع.

 

وعليه، فإن احتمال تراجع أسعار المحروقات موجود، لكنه مشروط. انخفاض النفط الذي سجل الجمعة يوفر إشارة أولية يمكن أن تكون إيجابية للمستهلك، لكنه لا يكفي وحده لإنتاج انخفاض مستدام في المغرب. الحسم سيأتي من اتجاه أسعار النفط خلال الأسابيع المقبلة، ومن تطورات الحرب في الشرق الأوسط، ومن استقرار مضيق هرمز، ومن سعر صرف الدرهم، وأخيراً من السياسة التي ستعتمدها الحكومة الجديدة لتنفيذ الوعود الانتخابية المتعلقة بالقدرة الشرائية.

 

وبذلك، لن يكون أول اختبار اقتصادي للحكومة المقبلة هو مجرد إعلان برنامج جديد، بل قدرتها على تحويل شعار حماية القدرة الشرائية إلى أثر ملموس يشعر به المواطن عند محطة الوقود، خصوصاً إذا بدأت أسعار النفط العالمية بالفعل في منحها هامشاً للتحرك.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *