مع كل تراجع جديد في أسعار الذهب، كان المهنيون يترقبون عودة الزبائن إلى محلات بيع الحلي، غير أن السوق المغربية سارت في اتجاه مغاير، إذ لم ينجح انخفاض الأسعار في تحريك الطلب، بل عمّق حالة الترقب لدى المستهلكين، الذين فضلوا تأجيل قرارات الشراء انتظارا لمزيد من الهبوط، في مقابل إحجام البائعين عن التفريط في مقتنياتهم أملا في تحسن الأسعار، ما أدخل القطاع في واحدة من أكثر فترات الركود خلال السنوات الأخيرة.
وواصل الذهب تسجيل خسائر بالمغرب، حيث أظهر آخر تحديث للأسعار تراجعا جديدا، إذ انخفض سعر أونصة الذهب من عيار 24 إلى 37.664,81 درهما، مقابل 38.243,96 درهما، بتراجع بلغت نسبته 1,51 في المائة. كما بلغ سعر غرام الذهب 1.211,09 درهما لعيار 24، و1.110,16 درهما لعيار 22، و1.059,70 درهما لعيار 21، فيما استقر سعر غرام عيار 18 عند 908,32 دراهم.
ويرى مراقبون أن هذا الانخفاض يعكس استمرار التراجعات التي تعرفها الأسواق العالمية، إلا أن السوق المغربية لا تزال تسجل فارقا سعريا يتراوح بين 125 و150 درهما للغرام مقارنة بالأسواق الدولية، بسبب صعوبات التزود بالمادة الأولية وخصوصية السوق المحلية.
ويشير متابعون إلى أن أسعار الذهب المتداولة لدى المهنيين، خاصة بالنسبة لعيار 18، لم تكن كافية لتحفيز الطلب، رغم أن موسم الصيف كان يشكل تقليديا إحدى أهم فترات الرواج بالنسبة للقطاع.
وبحسب مراقبين، فقد تغير سلوك المستهلكين بشكل واضح، إذ أصبح أغلب الزبائن يكتفون بالاستفسار عن الأسعار قبل تأجيل قرار الشراء، في حين يفضل مالكو الحلي تأخير عمليات البيع انتظاراً لارتفاع الأسعار، وهو ما أدى إلى تراجع ملحوظ في وتيرة المعاملات التجارية.
ويعتبر متابعون أن السوق عرفت انتعاشة محدودة خلال شهري يناير وفبراير الماضيين، مدفوعة بالتوترات الجيوسياسية العالمية، قبل أن تدخل لاحقا في مرحلة ركود استمرت إلى غاية اليوم.
ويعزون هذا الوضع إلى تراجع القدرة الشرائية للأسر المغربية، في ظل تزامن عدد من المناسبات التي تستنزف ميزانياتها، من مصاريف عيد الأضحى والعطلة الصيفية إلى الاستعداد للدخول المدرسي، وهو ما جعل اقتناء الذهب يتراجع ضمن أولويات الإنفاق.
كما يرى مراقبون أن القطاع فقد جزءا من زبنائه التقليديين، سواء من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج الذين تغيرت أنماط ادخارهم، أو من الفلاحين الذين كانوا يشكلون شريحة مهمة من المشترين.
وفي مدينة فاس، التي تعد أبرز مركز لصناعة الحلي التقليدية بالمغرب، يلاحظ المتابعون تراجعا واضحا في الطلب، مع توجه المستهلكين نحو اقتناء القطع الخفيفة ذات الأوزان الصغيرة، مقابل ضعف الإقبال على المصوغات الثقيلة.
وعلى مستوى التموين، يعتمد السوق الوطني بدرجة كبيرة على إعادة تدوير الذهب المستعمل، غير أن هذه الكميات لا تغطي سوى نسبة محدودة من حاجيات السوق، في وقت يوجه فيه معظم الذهب المستخرج من المناجم المغربية إلى التصدير، ما يزيد من الاعتماد على الاستيراد.
ويرى متابعون أن استمرار الصعوبات المرتبطة باستيراد الذهب الخام يؤثر على توازن السوق وقدرة المهنيين على تأمين حاجياتهم، إلى جانب تحديات أخرى تتعلق بتراجع التكوين المهني في قطاع صياغة الذهب، وهو ما يهدد استمرارية هذه الحرفة التقليدية في ظل عزوف الشباب عنها.
وفي المقابل، يتوقع مراقبون أن تعود أسعار الذهب إلى الارتفاع خلال المرحلة المقبلة، بالنظر إلى ارتباطها الوثيق بالتطورات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية، التي غالبا ما تدفع المعدن النفيس إلى استعادة مكاسبه بعد فترات التراجع.