الكتاني لـ “بلبريس”: دعم مهنيي النقل لا يحل الأزمة والحكومة أمام خيار صعب

أعاد الارتفاع المتواصل لأسعار المحروقات بالمغرب النقاش بشأن الخيارات المتاحة أمام الحكومة لاحتواء تداعيات هذه الزيادات على القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل ارتباط أسعار الوقود بكلفة النقل وتوزيع المواد الاستهلاكية، وما قد يترتب عن ذلك من ضغوط إضافية على أسعار السلع والخدمات.

ويأتي هذا النقاش عقب إعلان رئاسة الحكومة عن مواصلة تقديم الدعم الاستثنائي المباشر لفائدة مهنيي النقل الطرقي للأشخاص والبضائع، من خلال إطلاق حصة إضافية تغطي فترة تمتد لـ15 يوما، على أن تنطلق عملية تسجيل طلبات الاستفادة منها يوم الثلاثاء 10 نونبر الجاري.

وفي وقت تراهن فيه الحكومة على آلية الدعم للتخفيف من انعكاسات ارتفاع أسعار المواد البترولية بالأسواق الدولية، تبرز تساؤلات بشأن مدى نجاعة هذا التوجه، وإمكانية اعتماد إجراءات بديلة تستهدف أسعار المحروقات بشكل مباشر، سواء من خلال تسقيفها أو مراجعة الضرائب المفروضة عليها.

وفي هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد بجامعة محمد الخامس بالرباط، عمر الكتاني، أن الظرفية الراهنة تضع الحكومة أمام تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة، بالنظر إلى التداعيات المرتقبة لارتفاع أسعار المحروقات على فئات واسعة من المجتمع.

وأوضح الكتاني، في تصريح خص به “بلبريس”، أن ارتفاع أسعار الوقود لا تقتصر انعكاساته على مهنيي النقل، بل تمتد إلى مختلف المواد المنقولة، وفي مقدمتها الخضر والفواكه، ما يجعل تداعياته تمس بشكل مباشر القدرة الشرائية للمواطنين.

الخبير والمحلل الاقتصادي: عمر الكتاني

وسجل المتحدث أن الوضع الحالي يفرض التعامل معه باعتباره ظرفية استثنائية تستدعي مراجعة أولويات الإنفاق العمومي، معتبرا أن الحكومة لا تبدي استعدادا لتبني سياسة تقشفية تتناسب مع حجم الضغوط الاقتصادية القائمة.

وفي قراءته لقرار تخصيص دعم إضافي لمدة 15 يوما، استغرب الكتاني اعتماد هذه المدة القصيرة، متسائلا عن الجدوى الاقتصادية من إجراء ظرفي في مواجهة أزمة ترتبط بعوامل دولية يصعب التكهن بموعد انتهائها.

واعتبر أن الرهان على انخفاض الأسعار بعد انقضاء فترة الدعم يظل غير مضمون، بالنظر إلى استمرار التوترات والضغوط التي تشهدها الأسواق العالمية، مشيرا إلى أن المشكل يتجاوز التدخلات الظرفية ليطرح إشكالية أعمق تتعلق بالسياسة الطاقية للمغرب.

وبخصوص إمكانية اللجوء إلى تسقيف أسعار المحروقات، أوضح الخبير الاقتصادي أن أحد الحلول المتاحة تتمثل في تخفيض الضرائب المفروضة على هذه المواد، غير أنه استدرك بأن الدولة تعتمد على المداخيل الضريبية المتأتية منها، وهو ما يجعل أي تخفيض مرتبطا بتداعيات محتملة على التوازنات المالية.

وشدد الكتاني على أن تجاوز هذه المعضلة يقتضي اعتماد سياسة تقشفية على مستوى نفقات الدولة، بما يتيح هامشا لتخفيف العبء الضريبي على المحروقات، معتبرا أن الجمع بين تخفيض الضرائب وترشيد الإنفاق العمومي يمثل أحد الخيارات التي يمكن اعتمادها لمواجهة الوضع الحالي.

وانتقد المتحدث ما وصفه بغياب ثقافة الاحتياط وترتيب الأولويات في تدبير الموارد العمومية، داعيا إلى تجاوز منطق النفقات المرتبطة بالمظاهر والبذخ، واعتماد سياسة مالية تقوم على الاقتصاد في المصاريف وتوجيه الموارد نحو الأولويات الاقتصادية والاجتماعية.

وفي سياق متصل، أعاد الكتاني إثارة ملف مصفاة “سامير”، معتبرا أن المغرب يؤدي اليوم كلفة اختيارات سابقة في تدبير قطاع الطاقة، خاصة ما تعلق بخوصصة المصفاة وما آلت إليه أوضاعها المالية، ومشددا على ضرورة استخلاص الدروس من هذه التجربة وتفادي تكرار الأخطاء نفسها.

كما انتقد غياب المحاسبة عن القرارات الاقتصادية التي تترتب عنها كلفة تتحملها الدولة والمجتمع، معتبرا أن معالجة الاختلالات الحالية تقتضي مراجعة طريقة التدبير الاقتصادي، وليس الاكتفاء بإجراءات ظرفية كلما ارتفعت الأسعار.

وحذر الخبير الاقتصادي من أن تراجع أسعار البترول في الأسواق العالمية لا يعني بالضرورة انخفاض أسعار المحروقات محليا بالمستوى نفسه، مرجحا أن تظل الأسعار مرتفعة نسبيا حتى في حال تسجيل انخفاض دولي، بما قد يفاقم الضغوط الاجتماعية والمطالب المرتبطة بتحسين الأجور.

وخلص الكتاني إلى أن التحديات الاقتصادية الراهنة تستدعي تغييرا في عقلية تدبير الشأن العام، يقوم على ترشيد الإنفاق واستحضار المصلحة الاقتصادية للبلاد، محذرا من استمرار الاعتماد على الاقتراض والضرائب وبيع الأصول باعتبارها أدوات لمواجهة الضغوط المالية، دون معالجة الاختلالات البنيوية التي تقف وراءها.

ويُذكر أن اعتماد الدعم الاستثنائي لفائدة مهنيي النقل الطرقي يعود إلى مارس 2022، حين أطلقت الحكومة أولى عملياته لمواجهة تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات، قبل أن تعود إلى تفعيل الآلية ذاتها خلال مارس 2026، في ظل موجة جديدة من الزيادات.

ووفق معطيات رسمية صادرة عن مجلس المنافسة، ارتفعت أسعار الغازوال بمحطات الوقود بمقدار 2.03 درهم للتر خلال الفترة الممتدة من فاتح إلى 16 مارس 2026، قبل أن تسجل زيادة إضافية بلغت 1.72 درهم إلى غاية فاتح أبريل، فيما بلغت الزيادتان المتتاليتان في أسعار البنزين 1.43 و1.53 درهم للتر خلال الفترتين نفسيهما.

وأمام استمرار هذه التطورات، قررت الحكومة، في أبريل الماضي، رفع قيمة الدعم الموجه للمهنيين بنسبة 25 في المائة، قبل اعتماد صيغة لصرفه كل 15 يوما ابتداء من ماي، وصولا إلى إعلان حصة إضافية جديدة مطلع نونبر الجاري.

وهو مسار يعيد إلى الواجهة النقاش بشأن مدى قدرة التدخلات الحكومية الظرفية على احتواء تداعيات تقلبات أسعار المحروقات، في مقابل الحاجة إلى حلول أكثر استدامة تستهدف كلفة الطاقة وأثرها على الاقتصاد الوطني والقدرة الشرائية للمواطنين.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *