أعلن وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، توجه الحكومة إلى إحداث ست شركات جهوية للتجميع والتسويق بالأحواض الفلاحية الكبرى، ضمن ورش لإصلاح مسالك التوزيع يروم إعادة أسعار المواد الأساسية إلى مستويات معقولة، ويطرح تنزيله أسئلة حول كيفية تقليص كلفة الوساطة وضمان وصول أثر الإصلاح إلى المستهلك.
وأوضح لقجع، خلال تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام مجلسي البرلمان، اليوم الجمعة، أن هذا التوجه يقوم على تحديث مسالك التوزيع وأسواق الجملة وتعزيز التنافسية، إلى جانب إصلاح شامل لمسالك اللحوم والأسماك، مشيرا إلى تخصيص مليار درهم لهذا الورش.
ويضع الإعلان الحكومي العلاقة بين المنتج والمستهلك في صلب مواجهة الغلاء، من خلال تقليص تكاليف الوساطة، غير أن إحداث الشركات يفتح، في المقابل، سؤالا حول شروط اشتغالها داخل سوق تتعدد حلقاته وتتداخل فيه أدوار المتدخلين: كيف يمكن تجاوز الاختلالات القائمة دون إعادة إنتاجها داخل التنظيم الجديد؟
وفي هذا السياق، اعتبر المحلل الاقتصادي خالد بنعلي، في تصريح خص به “بلبريس”، أن الفكرة لها ما يبررها من حيث المبدأ، بالنظر إلى الزيادات التي يعرفها ثمن المنتوج خلال انتقاله من المنتج إلى المستهلك، حيث تتدخل حلقات متعددة من الوسطاء، يستفيد كل منها من عمولات تنعكس على السعر النهائي.
وربط بنعلي إمكانية تنزيل هذا الورش بضرورة تحديد الكلفة الحقيقية للعمليات التي ستتكفل بها الشركات الجديدة، بدءا من اقتناء المنتوج من مصدره وصولا إلى توزيعه، مع تدقيق كلفة الإنتاج نفسها، سواء تعلق الأمر بالمنتجات الفلاحية أو بالصيد البحري، حتى تتضح العناصر التي تدخل في تشكيل الأسعار.
وشدد المتحدث على أن الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ يقتضي دراسة دقيقة للسوق، تحصر عدد المتدخلين في كل مرحلة، وطبيعة أدوارهم، والعمولات أو النسب التي يستفيدون منها، فضلا عن تحديد المرحلة التي يتشكل فيها الثمن وفق العلاقة بين العرض والطلب.
وأوضح أن الأمر يتعلق بتغيير طرق اشتغال وتمويل اعتادت عليها الأسواق المغربية لسنوات طويلة، وهو ما يفرض توضيح كيفية تنظيم العمليات داخل النموذج الجديد، وموقع الفاعلين السابقين فيه، خصوصا أن بعضهم يمارس أنشطة مقننة ويتوفر على وثائق تؤطر تدخله.
وحذر بنعلي من اختزال الإصلاح في إحداث الشركات أو رصد الاعتمادات، معتبرا أن ضخ استثمارات مهمة لا يكفي لضمان النتائج ما لم تسبقه معرفة دقيقة بالسوق وبكيفية اشتغال مختلف حلقاته، حتى يحقق الإنفاق الغاية المرتبطة بحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
وعن الضمانات الكفيلة بمنع إعادة إنتاج الوساطة داخل التنظيم الجديد، أكد المحلل الاقتصادي أن المدخل الأساسي يظل الإحاطة بالسلسلة كاملة، متسائلا عما إذا كانت الحكومة تتوفر على قراءة شاملة لمختلف المتدخلين، في ظل وجود وسطاء رسميين وآخرين ثانويين، وتداخل الأنشطة المقننة وغير المقننة.
واعتبر أن الأسواق تُركت، في السابق، مفتوحة أمام ممارسات تسمح بتعدد التدخلات في الأسعار، مستحضرا الفارق الذي قد يسجل بين ثمن بيع بعض الفواكه لدى المنتج، والذي قد لا يتجاوز درهما أو درهمين، والثمن الذي تصل به إلى مراحل التسويق اللاحقة.
ولفت بنعلي إلى أن كلفة النقل تشكل بدورها عنصرا حاسما في نجاح الإصلاح، إذ تظل عبئا على الأسعار حتى مع إعادة تنظيم مسالك التوزيع. وربط بناء نموذج جاد باعتماد مقاربة شاملة تجمع بين فهم منظومة الإنتاج، وضبط أدوار الوسطاء، وتقليص فاتورة النقل.
ودعا المتحدث إلى القطع مع الممارسات التي تسيء إلى السوق المغربية، حتى لا تنتقل الاختلالات نفسها إلى النموذج الجديد، مؤكدا أن الرهان يتمثل في الحد من انعكاس تعدد حلقات الوساطة على الأسعار التي يؤديها المواطن.