مشروع أمريكي ثوري يحول المينورسو إلى بعثة سياسية على أساس الحكم الذاتي

 

يتجه مجلس الأمن الدولي، وفق النسخة الأولية لمشروع قرار وزعته الولايات المتحدة الأمريكية، حاملة القلم بشأن ملف الصحراء المغربية، نحو إدخال تحولات مهمة على مسار التسوية الأممي، من خلال اعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحدّث أساسا وحيدا للمفاوضات، إلى جانب إعادة هيكلة بعثة الأمم المتحدة العاملة في المنطقة، وإنهاء ولايتها بصيغتها الحالية لحفظ السلام في أبريل 2027، تمهيدا لتحويلها إلى بعثة سياسية خاصة.

وتكشف المسودة المؤرخة في 20 أكتوبر 2026 عن توجه أمريكي يروم إعادة ضبط الإطار السياسي والمؤسساتي الذي تدبر من خلاله الأمم المتحدة هذا النزاع، مع التشديد على أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمثل الحل الوحيد القابل للتطبيق، والدعوة إلى انخراط الأطراف المعنية في مفاوضات مباشرة وبروح بناءة، بعيدا عن إطالة أمد المسار السياسي.

 

وفي هذا السياق، يعيد المشروع التأكيد على قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025، مشيرا إلى تنامي عدد الدول الأعضاء التي تعترف بسيادة المغرب على الصحراء المغربية. كما يعرب عن دعمه للأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي، ستافان دي ميستورا، ويشيد بالجهود التي بذلها، إلى جانب الولايات المتحدة، لتيسير ثلاث جولات من المفاوضات المباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، احتضنتها واشنطن ومدريد، واستندت إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي.

 

ويولي المشروع أهمية خاصة لتوسيع وتحديث المقترح المغربي، معتبرا أنه شكل أساسا للنقاشات الموضوعية خلال الجولات الثلاث. كما يرحب بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لجهود التسوية، وبالدعوة التي وجهها إلى الأطراف من أجل استئناف المفاوضات دون تأخير، على أساس اعتماد المبادرة المغربية إطارا وحيدا للتفاوض، بهدف التوصل إلى حل نهائي مقبول للطرفين، في إطار مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما فيها مبدأ تقرير المصير.

 

وفي مقابل الدفع نحو تحريك المسار السياسي، يتضمن المشروع إشارات انتقادية بشأن تعثر المفاوضات، إذ يعرب عن أسفه لعدم انخراط أحد الأطراف بصورة جدية في الجهود التي جرى تيسيرها بموجب القرار الأممي السابق، كما يدين الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة في 5 ماي 2026. ويشدد، في هذا الصدد، على ضرورة التزام جميع الأطراف بشكل واضح وصريح وغير مشروط بوقف الأعمال العدائية، وتجنب أي خطوات من شأنها تقويض فرص التوصل إلى تسوية سياسية.

 

وعلى المستوى المؤسساتي، يقترح النص تحولا لافتا في طبيعة الحضور الأممي بالمنطقة، من خلال تغيير اسم بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة اختصارا بـ«المينورسو»، إلى بعثة الأمم المتحدة للصحراء المغربية، مع إنهاء ولايتها بصفتها بعثة لحفظ السلام في 30 أبريل 2027، على أن تواصل عملها، ابتداء من فاتح ماي من السنة نفسها، في شكل بعثة سياسية خاصة إلى غاية 31 أكتوبر 2027.

 

ويطلب المشروع من الأمين العام للأمم المتحدة تقديم مقترحات مفصلة، في أجل أقصاه 15 دجنبر 2026، بشأن ولاية البعثة الجديدة وهيكلها ومواردها البشرية والمالية، بما يشمل آليات إعداد التقارير، وإزالة الألغام، ودعم المسار السياسي، وإمكانية إعادة توظيف هياكل الدعم القائمة. كما يدعو إلى الشروع الفوري في تقليص المكون العسكري النظامي للبعثة، مع خفض عدد أفراده بنسبة لا تقل عن 50 في المائة بحلول 31 يناير 2027، وإغلاق بعض مواقع الفرق وتوحيدها، مع الحفاظ على استمرارية القيادة والخبرة المؤسسية خلال المرحلة الانتقالية.

 

ولا يقتصر المشروع على إعادة ترتيب الحضور الأممي، بل يربط المرحلة المقبلة بضرورة توسيع المشاورات السياسية والاجتماعية بشأن الحل النهائي. إذ يطلب من المبعوث الشخصي للأمين العام التشاور مع مختلف مكونات المجتمع الصحراوي والجهات المعنية، بما فيها الأطراف الموجودة خارج دائرة المشاركين في المفاوضات، سواء داخل الإقليم أو في مخيمات اللاجئين أو ضمن الجالية الصحراوية بالخارج، على أن تنعكس نتائج هذه المشاورات في تقارير الأمين العام.

 

كما يدعو المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا إلى التعاون الكامل مع الجهات التي تتولى تيسير المفاوضات، والانخراط الفعلي والبناء فيها، مع تقديم ردودها انطلاقا من مقترح الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحدّث، الذي يكرس المشروع مكانته باعتباره الأساس الوحيد للعملية التفاوضية.

 

وفي محور آخر، يثير النص مسألة تسجيل سكان مخيمات تندوف، إذ يطلب من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين استكمال هذه العملية خلال ستة أشهر، وفقا للقانون الدولي للاجئين والمعايير المعتمدة لدى المفوضية، وبما يضمن استقلالية العملية عن أي تدخل. كما يشدد على ضرورة توفير الوصول دون عوائق وحرية التنقل، سواء لإنجاز التسجيل أو لإجراء تقييم للحلول الدائمة الممكنة.

 

ويربط المشروع استمرار الدعم الدولي الموجه إلى المخيمات بضرورة الانتقال نحو حلول فردية وطوعية ودائمة، معربا عن قلقه إزاء استمرار النزوح وتدهور الأوضاع الإنسانية، ومعتبرا أن الوضع القائم لا يمكن أن يستمر بصورة مسؤولة. كما يلوح بإمكانية النظر في تدابير إضافية إذا لم تنخرط الأطراف بشكل بناء في المسار السياسي، ويدعو الدول الأعضاء إلى دعم المفاوضات وجهود تيسيرها.

 

وفي ختام مقتضياته، يطلب المشروع من الأمين العام إحاطة مجلس الأمن بانتظام بمستجدات العملية السياسية وتنفيذ المرحلة الانتقالية الخاصة بإعادة هيكلة البعثة، مع إبقاء ملف الصحراء المغربية ضمن القضايا التي يواصل المجلس النظر فيها.

وتبقى هذه المقتضيات واردة في نسخة أولية من مشروع القرار، ولا تعكس بالضرورة الصيغة النهائية التي سيعتمدها مجلس الأمن. غير أن مضامينها تبرز توجها نحو ربط التسوية السياسية بمقترح الحكم الذاتي المغربي، وإعادة النظر في طبيعة المهمة الأممية بالمنطقة، بالتوازي مع الدفع نحو مفاوضات أكثر وضوحا وتحديداً لأهدافها، في أفق إنهاء النزاع والتوصل إلى حل سياسي دائم.

بالنسبة إلى المغرب، قد يشكل هذا التطور محطة مهمة في مسار الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي، لكنه يفرض في الوقت نفسه مسؤولية تقديم تصور مؤسساتي وسياسي مقنع، وتعزيز الدبلوماسية، والاستعداد لمفاوضات تتطلب النفس الطويل.

لقد يكون المشروع بداية مرحلة جديدة في ملف الصحراء المغربية، لكن الحسم لن يتحقق بمجرد تغيير اسم البعثة أو تقليص أفرادها؛ بل عندما يتحول التحول الدبلوماسي إلى مفاوضات جدية، وتصبح التسوية السياسية هدفاً قابلاً للتحقق، لا مجرد صيغة جديدة في وثيقة أممي

 

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *