صعّد إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، لهجته تجاه الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، منتقدا ما اعتبره اختلالات في المسار الانتخابي، وضعفا في الانسجام السياسي بين مكونات الأغلبية، وتراجعا عن عدد من الالتزامات الانتخابية، ومطالبا بتوضيحات بشأن الوعود المرتبطة بالتشغيل والقدرة الشرائية ومحاربة الفساد وإصلاح القطاعات الاجتماعية.
وقال الأزمي، خلال مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس النواب، اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026، إن فريق العدالة والتنمية سيضطلع بدوره من موقع المعارضة الوطنية المسؤولة، معتبرا أن المرحلة المقبلة تقتضي إخضاع العمل الحكومي للمراقبة البرلمانية، وتقديم بدائل تشريعية واقتصادية واجتماعية تستجيب لانتظارات المغاربة، بعيدا عن المعارك الهامشية.
وفي مستهل مداخلته، جدد رئيس الفريق موقف حزبه الداعم للوحدة الترابية للمملكة، مشيدا بالتطورات التي عرفها ملف الصحراء المغربية، وما وصفه بالتحول التاريخي الذي كرسه القرار الأممي رقم 2797، معتبرا أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أصبح الحل الوحيد المقبول والمدعوم دوليا وأمميا. كما ثمن تقديم المغرب للمقترح المحين والمفصل للحكم الذاتي، داعيا إلى مواصلة التعبئة الوطنية لإنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
وفي السياق ذاته، أدان الأزمي زيارة العاهل الإسباني إلى مدينة سبتة، معتبرا أن سبتة ومليلية والجزر الجعفرية وباقي الثغور المحتلة أراض مغربية، وأن الزيارات والاستفزازات الصادرة عن بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية والأوروبية لن تغير، بحسب تعبيره، من هذه الحقيقة. وشدد على أن الشراكة مع الدول الأخرى تظل اختيارا سياديا للمغرب، لا يمكن أن يخضع للضغط أو الابتزاز.
وعلى صعيد القضية الفلسطينية، جدد رئيس فريق العدالة والتنمية إدانته لما وصفه بجرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، مؤكدا رفض حزبه لكل أشكال التطبيع، وداعيا إلى قطع العلاقات وإلغاء الاتفاقيات مع إسرائيل وحل لجنة الصداقة البرلمانية معها، على خلفية استمرار العمليات العسكرية والانتهاكات التي تستهدف الفلسطينيين والمقدسات الإسلامية.
وانتقل الأزمي إلى تقييم الانتخابات التشريعية الأخيرة، مسجلا أن الاستعداد المبكر للاستحقاقات والتوجيهات الملكية بشأن إعداد الترسانة القانونية شكلا عنصرين إيجابيين، إلى جانب ما وصفه بتحسن تفاعل السلطات المختصة مع الشكايات وتطور سلوك الإدارة الانتخابية نحو الحياد. غير أنه اعتبر أن هذه الجوانب لم تمنع استمرار اختلالات تمس نزاهة العملية الانتخابية وتكافؤ الفرص بين المتنافسين.
وأضاف أن نسبة المشاركة المسجلة تعكس، وفق قراءته، أزمة ثقة في المؤسسات المنتخبة والعمل السياسي، محذرا من استمرار تأثير المال الانتخابي، والاختلالات المرتبطة بالقاسم الانتخابي وإلغاء العتبة، فضلا عن مشاكل التسجيل والتشطيب على اللوائح الانتخابية وتأخر تسليم محاضر التصويت والإعلان عن النتائج.
كما أثار ما وصفه بواقعة «الصاك» في طنجة، والمتعلقة بحمل أوراق تصويت جاهزة لفائدة أحد الأحزاب، معتبرا أنها تستدعي المساءلة، إلى جانب انتقاده ما سماه «الميركاتو الانتخابي» وانتقال المرشحين بين الأحزاب، والتسويق المسبق لسيناريوهات تشكيل الحكومة قبل الإعلان عن النتائج النهائية، بما يضعف ثقة المواطنين في جدوى التصويت.
ورغم هذه الانتقادات، أكد الأزمي أن الديمقراطية المغربية تظل قادرة على الصمود أمام محاولات التحكم والإقصاء، مشددا على ضرورة معالجة الاختلالات الانتخابية من خلال إصلاحات قانونية ومؤسساتية وثقافية وتنموية. ودعا الحكومة إلى التعجيل بالإعداد للانتخابات المقبلة المتعلقة بالجماعات الترابية، ومعالجة العراقيل التي تواجه الجهوية المتقدمة واللامركزية واللاتمركز الإداري، بما يضمن مؤسسات منتخبة قوية ومنسجمة وقادرة على تنفيذ برامج التنمية.
وبخصوص التشكيلة الحكومية، اعتبر رئيس الفريق أن الحكومة تواجه، من وجهة نظره، تحديات تتعلق بضعف تمثيليتها الانتخابية، وغياب الانسجام الفكري والسياسي بين مكوناتها، واستمرار عدد من الوزراء الذين ارتبطت قطاعاتهم بأزمات واحتجاجات خلال الولاية السابقة. كما انتقد ما اعتبره ارتباكا في البدايات الأولى للحكومة، مستحضرا إعفاء وزيرة والتعامل مع احتجاجات مرتبطة بقطاع التعليم الأولي.
وسجل الأزمي أن التشكيلة الحكومية، بحسب تقييم حزبه، لم تستجب لعدد من الوعود المرتبطة بتعزيز الحضور المؤسساتي لحقوق الإنسان والحريات، كما أغفلت قطاعات وملفات اعتبرها أساسية، من بينها العالم القروي والعدالة المجالية والتنمية الترابية المندمجة، إلى جانب شؤون المغاربة المقيمين بالخارج. ورغم ذلك، أكد أن فريقه سيتعامل مع الحكومة بمسؤولية وحسن نية، مع الاحتفاظ بحقه في مواجهتها سياسيا وبرلمانيا إذا ابتعدت عن الإصلاح ومحاربة الفساد.
وفي ما يتعلق بالبرنامج الحكومي، قدم الأزمي سلسلة من الملاحظات والاستدراكات، واضعا محاربة الفساد وتضارب المصالح، وتحسين القدرة الشرائية، وإصلاح التعليم، وتوسيع فرص الشغل، والحد من الفوارق المجالية والاجتماعية، ضمن أبرز الملفات التي تستوجب التزامات واضحة وآليات تنفيذ قابلة للتقييم.
وفي ملف النزاهة، سجل رئيس الفريق بإيجابية تعهد الحكومة باستكمال المنظومة الوطنية لمحاربة الفساد، من خلال تجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، وتجريم استغلال المعلومات للحصول على امتيازات. لكنه اعتبر أن التركيز على الموظفين والوظيفة العمومية لا يكفي لمعالجة الإشكال، ما لم يشمل المسؤوليات والمناصب السياسية وعلاقات النفوذ بالمال.
وأعلن، في هذا الإطار، عزم فريق العدالة والتنمية تقديم أربعة مقترحات قوانين تتعلق بتجريم المخالفات المرتبطة بتنازع المصالح وتسريب المعلومات المتميزة، وتجريم الإثراء غير المشروع، وحماية الموظفين العموميين المبلغين عن الفساد، وتوحيد وتحيين التشريع الخاص بالتصريح الإجباري بالممتلكات، مؤكدا استعداد الفريق لمناقشتها في أقرب الآجال.
وفي ما يخص القدرة الشرائية، حذر الأزمي من أن إحداث شركات جهوية للتجميع والتسويق بهدف خفض أسعار المواد الغذائية قد يؤدي، في غياب ضمانات كافية، إلى تركيز الثروة وتعزيز نفوذ المضاربين والتحكم في الأسواق. كما ذكّر بوعود سابقة تتعلق بتسقيف هامش أرباح شركات المحروقات وإعادة تشغيل مصفاة «سامير»، داعيا إلى اتخاذ إجراءات ملموسة لتخفيف أعباء المعيشة عن المواطنين.
وبشأن أنظمة التقاعد، انتقد ما اعتبره غموضا في موقف الحكومة من الإصلاح الهيكلي الذي أُنجز سنة 2016، مطالبا إياها بتوضيح موقفها منه، إما بالاعتراف بجدواه أو الإعلان صراحة عن نيتها التراجع عنه. كما دعا إلى التريث في تعميم تجربة مدارس الريادة، والعودة إلى المرجعيات المؤطرة لإصلاح التعليم، وإعادة الاعتبار للغة العربية، واستكمال النصوص التنظيمية للقانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.
وفي قطاع السكن، طالب بمراجعة نظام الدعم الحالي، معتبرا أنه لم يحقق بالضرورة الأثر المطلوب على أسعار العقارات، وقد تستفيد منه الشركات العقارية على حساب المواطنين. وفي المقابل، ثمن توجه الحكومة نحو إعداد إطار قانوني خاص بالبناء في العالم القروي، داعيا إلى تسريع تنزيله ومراعاة الخصوصيات الاجتماعية والمجالية للمناطق القروية والجبلية.
وشدد الأزمي على أهمية الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، الذي رصد له غلاف مالي يبلغ 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات، معلنا أن فريقه سيجعل تتبع هذا الورش من أولوياته الرقابية والاقتراحية. واقترح اعتماد ميثاق وطني يحدد الحد الأدنى من الخدمات الأساسية الواجب توفيرها في العالم القروي، بما يشمل التعليم والصحة والماء والكهرباء والتطهير والربط الرقمي والنقل العمومي والخدمات الإدارية والفضاءات المخصصة للشباب والرياضة والثقافة.
وفي ملف الشباب والتشغيل، استحضر رئيس الفريق المعطيات الواردة في البرنامج الحكومي بشأن وجود نحو 2.9 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج منظومتي التعليم والتكوين وسوق الشغل، إلى جانب بلوغ معدل البطالة 27.2 في المائة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة خلال الفصل الثاني من سنة 2026. واعتبر أن التدابير المعلنة، رغم أهميتها، لا ترقى إلى حجم التحديات، داعيا إلى تنظيم مناظرة وطنية حول الشباب، وحذف شرط السن في مباريات التوظيف، وتوسيع المنح الجامعية، ومراجعة نظام المقاول الذاتي، وتعزيز فرص الإدماج المهني.
كما دعا إلى تكريس الشفافية والديمقراطية في تدبير الشأن الرياضي، والفصل بين المسؤوليات السياسية والحزبية والمسؤوليات داخل الجامعات والعصب الرياضية، محذرا من انعكاسات تداخل المجالين على استقلالية المؤسسات الرياضية ومصداقية العمل السياسي.
وخصص الأزمي حيزا واسعا من مداخلته لمساءلة الحكومة بشأن الفارق بين الوعود الانتخابية والبرنامج الحكومي المعروض على البرلمان، متسائلا عن مصير الالتزام بإحداث مليون منصب شغل صاف خلال الولاية، وعن أسباب عدم التصريح به بوضوح في العرض الحكومي، كما أثار تساؤلات بشأن تأجيل عدد من الالتزامات المتعلقة برفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3 آلاف درهم، والدعم الاجتماعي المباشر إلى ألف درهم، وخفض الضريبة على الأجور، ومنحة الدخول المدرسي، ورفع الحد الأدنى للأجر إلى 5 آلاف درهم.
كما طالب بتوضيح مصادر تمويل الالتزامات الحكومية، مذكرا بالتقديرات الواردة في البرنامج الانتخابي للأغلبية، والتي تضمنت 300 مليار درهم من الموارد الإضافية المرتبطة بالنمو على مدى خمس سنوات، و40 مليار درهم من مساهمة الجماعات الترابية، و10 مليارات درهم من إعادة التخصيص وتحسين النجاعة الميزانياتية.
وفي السياق ذاته، دعا إلى تقييم فعالية الأموال التي رصدت لدعم القدرة الشرائية، والتي قدرها بنحو 280 مليار درهم، معتبرا أن الحكومة مطالبة بتوضيح مدى وصول الدعم إلى مستحقيه. كما انتقد استمرار الإعفاءات المرتبطة باستيراد الأبقار والأغنام، داعيا إلى توجيه الدعم نحو الفلاحين والكسابة، ولا سيما الصغار والمتوسطين، بما يسهم في إعادة تكوين القطيع الوطني وتعزيز السيادة الغذائية.
وتساءل رئيس الفريق كذلك عن مدى واقعية تحقيق معدل نمو سنوي يبلغ 5 في المائة، في ظل توقعات المؤسسات الوطنية والدولية، داعيا إلى تنظيم مناظرة وطنية حول الاستثمار والنمو والتشغيل، ومعالجة العراقيل القانونية والإدارية والمالية والعقارية التي تحد من قدرة الاقتصاد على خلق فرص العمل. كما شدد على ضرورة ضمان استفادة المقاولات الصغرى والمتوسطة من الاستثمارات العمومية الكبرى المرتبطة بالماء والطاقات المتجددة والتنمية الترابية والاستعداد للاستحقاقات الرياضية الدولية.
وفي ختام مداخلته، أكد الأزمي أن حزب العدالة والتنمية اختار مواصلة أداء أدواره الدستورية والسياسية من موقع المعارضة الوطنية المسؤولة، مبرزا أن الفريق سيعتمد برنامجه الانتخابي، بما يتضمنه من 467 إجراء، مرجعا لتقديم البدائل وممارسة الرقابة على العمل الحكومي.
وشدد على أن معارضة حزبه لن تنشغل بمعارضة المعارضة أو افتعال معارك هامشية، بل ستركز على الدفاع عن الثوابت الوطنية والحقوق والحريات، ومحاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، وتحسين جودة التعليم والصحة، وتوفير الشغل اللائق، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.
وختم الأزمي بالتذكير بأن الحكومة أقرت، في تقييمها لحصيلة الولاية السابقة، بوجود اختلالات في تحويل الإمكانيات المالية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين، وباستمرار الضغط على القدرة الشرائية وضعف حصيلة التشغيل. واعتبر أن هذه الاعترافات تؤكد، بحسب تعبيره، وجاهة الانتقادات التي سبق أن وجهها حزبه إلى الحكومة السابقة، داعيا الأغلبية الحالية إلى الاستماع إلى ملاحظات المعارضة ومقترحاتها إذا كانت جادة في الإصلاح والوفاء بالتزاماتها الانتخابية.