لزرق: نجاح البرنامج الحكومي رهين بالانتقال إلى منطق “تدبير الأداء والنتائج”

تشكل اللحظة الدستورية والمؤسساتية التي شهدتها قبة البرلمان مساء أمس، الاثنين 19 أكتوبر الجاري، والمتمثلة في تقديم رئيسة الحكومة للبرنامج الحكومي الجديد، محطة فارقة تدشن لمرحلة عملية جديدة في مسار العمل التنفيذي بالبلاد.

وتأتي هذه المحطة في ظرفية وطنية ودولية دقيقة تتداخل فيها التطلعات والانتظارات الاجتماعية المتزايدة مع حزمة من الإكراهات الاقتصادية والمالية الشديدة.

وقد بني البرنامج على سبعة مرتكزات أساسية تجسد التوجهات الإستراتيجية للحكومة، وتهدف إلى رسم معالم المرحلة القادمة لمواجهة مختلف الرهانات التنموية والاجتماعية. غير أن القراءة التحليلية لهذا الحدث تضع البرنامج أمام اختبار حقيقي يتجاوز حدود الطرح النظري والإعلانات السياسية، ليضع الأداء الحكومي أمام ميزان الكفاءة والملاءمة بين الطموحات المرجوة والإمكانات المتاحة.

وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي الدكتور رشيد لزرق أن البرنامج الحكومي الذي عرضته رئيسة الحكومة يشكل محاولة جادة لإعادة تحديد أولويات العمل التنفيذي، في سياق يتسم بالتداخل المعقد بين الانتظارات الاجتماعية المتزايدة والإكراهات الاقتصادية والمالية الشديدة.

وأوضح لزرق، في تصريح خص به “بلبريس” من منظور دستوري، أن هذا البرنامج لا يكتسب أهميته ومحوريته من طبيعة الالتزامات المعلنة فحسب، بل يمتد لكونه تعاقدا سياسيا ومؤسساتيا حقيقيا يؤسس للمسؤولية الحكومية أمام البرلمان، ويجعل من حصيلة التنفيذ الفعلية المعيار الأساسي والأوحد لقياس مدى النجاعة والمصداقية.

وأكد المحلل السياسي أن الرهان الأساسي في هذه المرحلة لا يكمن في مجرد تعدد الأوراش والإصلاحات وتراكمها، وإنما يتجلى في مدى انسجامها وتكاملها ضمن رؤية حكومية شمولية، قادرة على تجاوز منطق التدبير القطاعي المعزول والتعهدات الفضفاضة العامة، والتوجه نحو ترتيب دقيق للأولويات، وتحديد صارم للمسؤوليات، وربط القرار العمومي بأثره الملموس على الحياة اليومية للمواطنين.

وأبرز المتحدث ذاته أن البرنامج الحكومي، في جوهره وعمقه، ليس مجرد وثيقة تستعرض التوجهات السياسية، بل هو إطار مرجعي للمساءلة الديمقراطية تتحدد قيمته الفعلية بقدرته على تحويل الإرادة السياسية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

وأشار رشيد لزرق، من زاوية المالية العمومية، إلى أن الاختبار الحقيقي والفعلي للبرنامج يتمثل في مدى قدرته على التوفيق بين توسيع الالتزامات الاجتماعية والمحافظة على استدامة التوازنات المالية، ولا سيما في ظل محدودية الهوامش الميزانياتية المتاحة وتزايد كلفة الإصلاحات الهيكلية.

وشدد لزرق على أن الإشكال المحوري لم يعد مرتبطا بحجم الموارد المالية المرصودة بقدر ما أصبح متصلا بجودة تخصيصها وفعالية إنفاقها، وهو ما يستوجب ضرورة الانتقال من منطق “تعبئة الاعتمادات” إلى منطق “تدبير الأداء والنتائج”، بالموازاة مع تعزيز العدالة الجبائية وتحسين مردودية الاستثمار العمومي.

وخلص المحلل السياسي إلى أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 سيشكل أول اختبار عملي وميداني لمدى الترجمة الفعلية للاختيارات الحكومية إلى التزامات مالية قابلة للتنفيذ والتقييم، مبرزا أن نجاح البرنامج الحكومي سيظل رهينا بقدرته على تحقيق التوازن الدقيق بين الطموح السياسي والواقعية الميزانياتية، بحيث تتحول المالية العمومية من مجرد أداة لضبط التوازنات المحاسباتية إلى رافعة حقيقية لتحقيق التنمية المستدامة والإنصاف الاجتماعي والمجالي.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *