رئاسة الحكومة بين نتائج الاقتراع والاختصاص الدستوري للملك

رئاسة الحكومة بين نتائج الاقتراع والاختصاص الدستوري للملك: حين تسبق القاعدةُ الأسماءَ

 

بقلم: الدكتورة أسماء مقاس

باحثة في القانون العام والعلوم السياسية والقانون الدستوري

 

مع انتهاء كل استحقاق تشريعي، ينتقل النقاش العمومي من سؤال «من فاز؟» إلى سؤال «من سيقود الحكومة؟». وقد جرى اقتراع 23 شتنبر 2026 لانتخاب أعضاء مجلس النواب، وأعلنت وزارة الداخلية نتائجه المؤقتة التي جاء فيها حزب الأصالة والمعاصرة في المرتبة الأولى بـ97 مقعداً من أصل 395، أي أن الحزب المتصدر صار معلوماً. ومع ذلك، تتكاثر الأسماء المتداولة وتمتلئ المنابر ومنصات التواصل الاجتماعي بالتكهنات والتسريبات، حتى يبدو أن السؤال الدستوري تراجع أمام سؤال الأشخاص.

 

غير أن المقاربة القانونية السليمة لا تبدأ من «من نفضل؟»، بل من «من يملك الاختصاص، وما القيد الذي يحكم ممارسته؟».

 

ما الذي يقوله الفصل 47؟

 

ينص الفصل 47 من دستور 2011 على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، ثم يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. وتجمع هذه الصيغة عنصرين متلازمين:

 

– قيد انتخابي: يُعيَّن رئيس الحكومة من الحزب المتصدر، فلا يخرج التعيين عنه.

– اختصاص ملكي: فعل التعيين نفسه من صلاحيات الملك، ولا تحل محله التوقعات ولا التسريبات ولا الاستطلاعات غير الرسمية.

 

وهذا التوازن مقصود، فهو يعكس طبيعة النموذج الدستوري المغربي الذي تتقاطع فيه الشرعية الانتخابية مع الدور الدستوري للملكية. فالملك، بموجب الفصل 42، هو رئيس الدولة وممثلها الأسمى ورمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها، ويسهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية وصيانة الاختيار الديمقراطي.

 

وقد جاء هذا المقتضى ثمرة مسار الإصلاح الدستوري الذي أعلنه الخطاب الملكي بتاريخ 9 مارس 2011، والذي جعل السلطة التنفيذية منبثقة عن الاقتراع، وارتقى بمنصب الوزير الأول إلى رئيس للحكومة، مع توضيح الاختصاصات بين المؤسسات.

 

ماذا تقول الممارسة منذ 2011؟

 

عرف المغرب في ظل الدستور الحالي ثلاث محطات لتشكيل الحكومة عقب الانتخابات: تعيين عبد الإله بنكيران بعد انتخابات 2011، ثم إعادة تعيينه بعد انتخابات 2016، فتعيين عزيز أخنوش بعد انتخابات 2021. وبين المحطتين الأولى والثانية جاءت واقعة 2017، حين عُيّن سعد الدين العثماني رئيساً للحكومة من حزب العدالة والتنمية نفسه، الذي كان متصدراً لانتخابات 2016.

 

وتكتسي تجربة 2017 دلالة قانونية خاصة. فقد ظل الحزب المتصدر هو المرجع، وتغيّر الشخص المعيَّن من داخله. وهذا يبين أن الفصل 47 يقيّد اختيار الحزب ولا يحدد الشخص، وأن التعيين داخل الحزب المتصدر يظل مساراً دستورياً سليماً.

 

أما قبل 2011، فقد كان تعيين الوزير الأول، كما في حالتي إدريس جطو سنة 2002 وعباس الفاسي سنة 2007، يخضع لمنطق دستوري مختلف لم يكن يربط التعيين بالحزب المتصدر. ولا يصح إسقاط تلك التجارب على الوضع الراهن، وإنما تُستحضر لفهم المسار الذي انتقل به المغرب من ممارسة سياسية إلى قاعدة دستورية مكتوبة.

 

الشرعية الانتخابية والاختصاص الدستوري: لا تنافس بينهما

 

من الأخطاء الشائعة في النقاش العمومي تصوير العلاقة بين الأحزاب والملكية كأنها تنافس على مصدر الشرعية. والصحيح أن لكل منهما مجالاً مختلفاً: الأحزاب تستمد قوتها من صناديق الاقتراع، والملك يمارس اختصاصه من الدستور. فالاقتراع يحدد الحزب المتصدر، والدستور يرسم الإطار الذي يتم فيه التعيين، والملك يمارس الاختصاص المنوط به.

 

ومن هنا فإن انتظار القرار الملكي ليس انتظاراً لنتيجة تكهنات، وإنما التزام بالمسار المؤسسي الذي حدده الدستور. والمرجع هو البلاغ الرسمي الصادر عن الجهة المختصة، وليس ما يتداول في الكواليس أو على المنصات الرقمية.

 

مسألة جنس رئيس الحكومة

 

يُثار في هذه الفترة سؤال عن احتمال أن تتولى امرأة رئاسة الحكومة. وتعيين امرأة في هذا المنصب، إن حدث، سيمثل محطة مهمة في مسار حضور النساء في مواقع القرار التنفيذي. لكن من زاوية القانون الدستوري، لا تُقاس مشروعية التعيين بجنس المعيَّن، وإنما باحترام المسار المؤدي إليه. فلا استثناء دستورياً للنساء، ولا أولوية للرجال، والمعيار هو الشرعية الانتخابية والكفاءة والمسؤولية داخل الإطار الدستوري.

 

مسؤولية النخب والمواطنين

 

لكل مواطن اسم يفضله، ولكل حزب حساباته، ولكل محلل قراءته، وهذا من طبيعة التعددية. غير أن الدولة لا تُدار بالتفضيلات الفردية. والمطلوب من النخب السياسية والإعلامية والمواطنين في هذه اللحظة أن يميزوا بين التحليل المشروع وتسويق التكهنات، وألا تتحول الرغبات السياسية إلى وقائع مؤسساتية، ولا التسريبات إلى قرارات.

 

لقد اختار المغاربة ممثليهم عبر الاقتراع، وتشكيل السلطة التنفيذية يتم وفق القواعد التي رسمها الدستور. واحترام القرار الملكي عند صدوره ليس موقفاً من شخص رئيس الحكومة أو رئيستها، وإنما احترام لاختصاص دستوري في نظام اختار توازناً خاصاً بين الشرعية الانتخابية والملكية الدستورية. وهذا لا يمنع النقد والتقييم بعد ذلك عبر الآليات المشروعة: المساءلة البرلمانية والنقاش العمومي والاستحقاقات القادمة.

 

كما أن تركيبة المجلس الجديد، وقد جاءت متعددة الأقطاب، تجعل مرحلة ما بعد التعيين، أي بناء الأغلبية والتفاوض حولها، اختباراً إضافياً لنضج الفاعلين السياسيين، وهي مرحلة تحكمها بدورها قواعد الدستور والتوازنات البرلمانية لا الضغط الإعلامي.

 

خلاصة

 

المغرب لا يحتاج في هذه المرحلة إلى مزيد من الأسماء المتداولة بقدر ما يحتاج إلى ثقة أكبر في مؤسساته ووعي جماعي بقواعدها. ففي دولة المؤسسات لا تُقاس قوة المواطن بقدرته على فرض اسم، وإنما بقدرته على احترام القاعدة التي تحكم الجميع. وحين يصدر القرار، تبدأ مرحلة جديدة عنوانها المسؤولية والعمل والنتائج.

 

الهوامش والمراجع

 

1. دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصل 42 والفصل 47 (الجريدة الرسمية / الأمانة العامة للحكومة).

2. الخطاب الملكي بتاريخ 9 مارس 2011 (البوابة الوطنية للمملكة المغربية).

3. البوابة الوطنية للمملكة المغربية، لائحة الحكومات ورؤساء الحكومات والوزراء الأولين منذ الاستقلال.

4. وزارة الداخلية، النتائج المؤقتة للانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 (97 مقعداً لحزب الأصالة والمعاصرة من أصل 395).

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *