عاد شبح ارتفاع أسعار المحروقات ليخيّم من جديد على السوق المغربية، بعدما اقترب سعر خام برنت من حاجز 100 دولار للبرميل، مدفوعاً بتصاعد التوترات والهجمات في الشرق الأوسط وتزايد المخاوف بشأن إمدادات النفط العالمية. وارتفع برنت بنحو 25 في المئة منذ بداية غشت، في مؤشر يعكس حجم القلق الذي يسيطر على أسواق الطاقة العالمية.
بالنسبة إلى المغرب، لا يتعلق الأمر بمجرد رقم يظهر على شاشات البورصات العالمية. فكل ارتفاع مستمر في أسعار النفط يمكن أن يجد طريقه، بدرجات متفاوتة، إلى محطات الوقود، ثم إلى تكاليف النقل والإنتاج وأسعار مجموعة واسعة من السلع والخدمات. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يستعد المغاربة لجولة جديدة من ارتفاع أسعار المحروقات؟
الإجابة لا يمكن أن تكون بنعم أو لا بشكل قاطع، لأن انتقال ارتفاع سعر النفط الخام إلى سعر الغازوال والبنزين في المغرب لا يتم بصورة آلية ولا بنفس النسبة. فالسعر النهائي الذي يؤديه المستهلك يتأثر بعدة عوامل، من بينها أسعار المنتجات النفطية المكررة في الأسواق الدولية، وتكاليف النقل والتأمين، وسعر صرف الدرهم أمام الدولار، والضرائب وهوامش التوزيع، فضلاً عن أي تدخل حكومي لامتصاص جزء من الصدمة.
غير أن الاتجاه العام يظل مقلقاً. فالمغرب يعتمد بدرجة كبيرة على واردات المنتجات النفطية، وهو ما يجعل الاقتصاد حساساً لأي ارتفاع قوي ومستمر في أسعار الطاقة العالمية. وعندما يرتفع النفط، لا ترتفع فاتورة الوقود فقط، بل تتسع تكلفة النقل والشحن والإنتاج، الأمر الذي يمكن أن ينعكس تدريجياً على أسعار السلع والخدمات.
واللافت أن السوق المغربية بدأت بالفعل تشعر بوطأة الارتفاعات العالمية. فقد ارتفع سعر الغازوال في بداية شتنبر بستة سنتيمات للتر، ليقترب من مستوى 15 درهماً، بينما ظل سعر البنزين قريباً من هذا المستوى. قد تبدو الزيادة محدودة بالنسبة للمستهلك، لكنها تصبح أكثر دلالة إذا استمرت أسعار النفط العالمية في الصعود خلال الأسابيع المقبلة.
المشكلة الحقيقية ليست في وصول برنت إلى 100 دولار ليوم أو يومين، وإنما في احتمال تحوّل هذا المستوى إلى سعر مستقر لأسابيع أو أشهر. فإذا كانت القفزة الحالية مجرد انعكاس مؤقت للمخاوف الجيوسياسية، فإن الأسعار قد تتراجع بمجرد انحسار المخاطر وعودة الإمدادات إلى طبيعتها. أما إذا استمرت الحرب واتسعت رقعة الاضطرابات التي تهدد منشآت الطاقة وطرق النقل، فقد يصبح النفط المرتفع واقعاً جديداً يصعب على الدول المستوردة تجاهله.
وفي حالة المغرب، فإن استمرار برنت عند مستويات تقترب من 100 دولار سيعني ارتفاع تكلفة فاتورة الطاقة، وبالتالي ضغطاً إضافياً على الميزان التجاري والحساب الجاري. وكان صندوق النقد الدولي قد حذر من تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد المغربي، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء يرفع فاتورة الواردات ويضغط على الحساب الجاري.
لكن تأثير الصدمة النفطية لن يتوقف عند محطات الوقود. فارتفاع الغازوال، على سبيل المثال، ينعكس على كلفة نقل الخضر والفواكه والسلع بين المدن، وعلى تكلفة النقل المهني، وعلى أسعار خدمات عديدة تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الوقود. وهذا ما يجعل ارتفاع أسعار المحروقات أكثر خطورة من مجرد زيادة في فاتورة ملء خزان السيارة.
وتدرك الحكومة هذه المعادلة، ولذلك لجأت إلى دعم مهنيي النقل في مواجهة ارتفاع أسعار المحروقات. هذا الدعم يمكن أن يخفف من انتقال الصدمة إلى أسعار النقل والسلع، لكنه لا يلغي التكلفة الاقتصادية للارتفاع، بل ينقل جزءاً منها من المستهلك إلى المالية العمومية.
وهنا تبرز واحدة من أصعب المعادلات أمام الحكومة: إذا ارتفعت أسعار النفط لفترة طويلة، فإن إبقاء الدعم على حاله يعني تحمل الخزينة تكلفة أكبر، بينما تمرير الارتفاع كاملاً إلى المستهلك قد يؤدي إلى زيادة التضخم والضغط على القدرة الشرائية للأسر.
بمعنى آخر، لا توجد وصفة سحرية تسمح للمغرب بإلغاء تأثير ارتفاع النفط. يمكن للدولة أن تؤجل الصدمة أو تخفف حدتها، ويمكن للشركات أن تمتص جزءاً منها من خلال هوامش الربح، لكن استمرار النفط عند مستويات مرتفعة سيجعل فاتورة الطاقة أكبر في نهاية المطاف.
وهناك عامل آخر يجب وضعه في الحسبان، وهو مخزون الوقود. فقد أعلنت وزارة الطاقة في وقت سابق أن المغرب يتوفر على مخزونات مهمة من الغازوال والبنزين، مع استمرار تنويع مصادر الاستيراد. هذه المعطيات تمنح المملكة هامشاً من الأمان في حال حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات، لكنها لا تحميها من ارتفاع الأسعار العالمية إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.
فالخزانات تستطيع تأمين الإمدادات لفترة معينة، لكنها لا تستطيع تغيير السعر العالمي للنفط. كما أن تنويع مصادر الاستيراد يقلل مخاطر الانقطاع، لكنه لا يلغي تكلفة شراء المنتجات النفطية بأسعار مرتفعة.
ومن هنا، فإن السيناريوهات المقبلة تبدو واضحة نسبياً. إذا تراجع برنت سريعاً بعد انحسار التوترات، فقد تمر الأزمة دون زيادات كبيرة في السوق المغربية. وإذا استقر النفط بين 90 و100 دولار لفترة طويلة، فمن المرجح أن تتزايد الضغوط على أسعار المحروقات وعلى ميزانية الدولة. أما إذا تجاوز النفط 100 دولار واستمرت الاضطرابات في الإمدادات، فإن احتمال تسجيل زيادات جديدة في أسعار الوقود يصبح أكبر بكثير.
ولا يمكن، في المقابل، الجزم بأن وصول برنت إلى 100 دولار سيؤدي تلقائياً إلى وصول الغازوال إلى رقم محدد في المغرب. فالمنتجات التي يشتريها المغرب هي منتجات مكررة، وأسعارها قد تتحرك بصورة مختلفة عن سعر الخام. كما أن سعر صرف الدولار والتكاليف اللوجستية والضرائب وهوامش الشركات والتدخلات الحكومية كلها عوامل يمكن أن تغير النتيجة النهائية.
لكن المؤشر الأكثر أهمية بالنسبة للمغاربة ليس فقط بلوغ النفط عتبة 100 دولار، وإنما مدة بقائه عند هذه المستويات. ارتفاع مؤقت قد يكون قابلاً للامتصاص، أما ارتفاع مستمر فيحوّل الصدمة من أزمة ظرفية إلى ضغط اقتصادي واسع.
وهنا تعود ذاكرة المغاربة إلى أزمة 2022، عندما تحولت أسعار الطاقة المرتفعة إلى واحدة من أبرز مصادر الضغط على القدرة الشرائية. غير أن تكرار السيناريو نفسه ليس حتمياً، خصوصاً إذا بقيت الزيادة الحالية محدودة زمنياً ولم تتوسع الاضطرابات الجيوسياسية إلى درجة تهدد جزءاً كبيراً من الإمدادات العالمية.
في نهاية المطاف، يبدو أن المغاربة أمام احتمال جولة جديدة من ارتفاع أسعار المحروقات، لكن حجمها وتوقيتها سيحددهما عاملان أساسيان: إلى أين سيذهب سعر النفط، وكم من الوقت سيبقى هناك؟
فإذا عاد برنت إلى مستويات أدنى، فقد يتراجع الضغط على السوق المغربية. أما إذا أصبح سعر 100 دولار للبرميل هو الوضع الطبيعي الجديد، فإن السؤال لن يكون فقط ما إذا كان الغازوال والبنزين سيرتفعان، وإنما من سيدفع الفاتورة: المستهلك المغربي عبر أسعار أعلى، أم الدولة عبر مزيد من الدعم، أم الشركات عبر تقليص هوامشها؟
وفي جميع الحالات، فإن اقتراب برنت من 100 دولار يمثل إنذاراً مبكراً للمغرب، لأن اقتصاداً يعتمد على استيراد الطاقة لا يستطيع أن يبقى معزولاً عن صدمات النفط العالمية. وقد تكون المعركة المقبلة أقل ارتباطاً بمنع ارتفاع المحروقات، وأكثر ارتباطاً بكيفية توزيع كلفة هذا الارتفاع بين الدولة والمستهلك والمقاولات، وبقدرة الاقتصاد المغربي على امتصاص صدمة نفطية جديدة دون أن تتحول إلى موجة تضخمية تضغط مجدداً على القدرة الشرائية.