المرسوم بقانون طوق النجاة الأخير لأزمة قانون المحاماة بالمغرب

في العد التنازلي لتصريف الأعمال: المرسوم بقانون طوق النجاة الأخير لأزمة قانون المحاماة بالمغرب

يشهد مرفق العدالة بالمملكة المغربية وضعية انسداد مؤسساتي إثر قرار جمعية هيئات المحامين بالمغرب التوقف الشامل عن أداء الخدمات الدفاعية ومقاطعة الجلسات والإجراءات أمام سائر المحاكم. وتستند هذه الخطوة المهنية إلى الدفع بعدم مشروعية المسار التشريعي المعتمد في إعداد مشروع القانون المنظم للمهنة، لما ينطوي عليه من مساس صريح بالاستقلال الوظيفي لهيئة الدفاع وحصانتها القانونية كشريك في إقامة العدل. وقد وضع هذا النزاع مبادئ دستورية ملزمة في مواجهة التعطيل؛ وفي مقدمتها مبدأ استمرارية المرافق العمومية المؤطر بمقتضى الفصل 154 من الدستور الذي ينص على أن: تنظم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها، والإنصاف في تغطية التراب الوطني، والاستمرارية في أداء الخدمات. كما يمس هذا الوضع ضمانات المحاكمة العادلة المكفولة صراحة في الفصل 120 من الدستور الذي يقر بأن: لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول. حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم. فالأمر هنا يتجاوز كونه مطلباً فئوياً خاصاً بهيئة مهنية، ليتصل مباشرة بحماية ركيزة وقائية جوهرية تضمن حقوق المتقاضين، وتصون مناخ الثقة والجاذبية الاقتصادية والاستثمارية التي تشترط قضاءً مستقلاً ودفاعاً محصناً كضمانة لسيادة القانون والأمن القضائي.

ولا ينحصر التوصيف القانوني للأزمة في خلاف تقني، بل يمتد إلى الإخلال بقواعد الحكامة التشاركية والتشاور المؤسساتي المكفولة في تصدير الدستور وفصليه 12 و13، إثر التراجع عن التفاهمات المبرمة بين رئاسة الحكومة وممثلي الهيئات المهنية. وقد واكب هذا المسار تصاعد الانتقادات بشأن محاولة إخضاع مهنة حرة ونبيلة لمنطق التوازنات المالية للشركات؛ وهو ما يثير إشكالية الملاءمة مع مقتضيات الفصل 36 من الدستور الذي يقضي صراحة بأنه: يعاقب القانون على المخالفات المتعلقة بحالات تنازع المصالح، وعلى استغلال التسريبات المخلة بالتنافس النزيه وكل مخالفة ذات طابع مالي، بما يفرضه من وجوب تجريد المبادرات التشريعية والتنظيمية من أي توظيف نفعي أو تضارب في المصالح.

كما تعمقت الأزمة بحدوث عيب مسطري جوهري طال مسطرة الرقابة القبلية على دستورية القوانين؛ إذ أحيل النص على القضاء الدستوري طبقاً لأحكام الفصل 132 من الدستور دون إرفاقه بنسخة رسمية مطابقة للأصل، مما دفع المحكمة الدستورية إلى التصريح بـ تعذر البت في مطابقته للدستور لمخالفة الشروط الشكلية المنصوص عليها في القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية. ومعلوم فقهاً وقضاءً أن هذا التصريح لا يقوم مقام الإقرار بالمطابقة الدستورية، ولا يطهر النص من الشبهات المسطرية والموضوعية. ورغم ذلك، بادرت السلطة التنفيذية (الحكومة) إلى استكمال مسطرة إصدار الأمر بالتنفيذ والنشر بالجريدة الرسمية المنصوص عليها في الفصل 50 من الدستور، والذي يحدد أجل إصدار الأمر بالتنفيذ والنشر في الجريدة الرسمية خلال الآجال الدستورية المحددة. وقد أفضى هذا الإجراء إلى إدماج نص تشريعي تعتريه شبهة عدم الدستورية في المنظومة القانونية، ويفتقر إلى المشروعية المعيارية وضمانات الأمن القانوني؛ وذلك بالمخالفة الصريحة لمقتضيات الفصل 6 من الدستور الذي يؤكد أن: دستورية القواعد القانونية، وتراتبيتها، ووجوب نشرها، مبادئ ملزمة.

ويتفاقم هذا الانسداد المؤسساتي مع اقتراب خضوع السلطة التنفيذية (الحكومة) للنظام القانوني لـ تصريف الأمور الجارية المؤطر بأحكام الفصلين 47 و87 من الدستور، والمادتين 36 و37 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة. فإذا كانت المادة 37 تحصر مهام الحكومة المنتهية ولايتها في التدابير الإدارية الضرورية والمستعجلة لضمان انتظام سير المرافق العمومية، فإن فقرتها الثانية تضع حظراً قانونياً قاطعاً يمنعها من اتخاذ التدابير التي من شأنها أن تلزم الحكومة المقبلة بصفة دائمة ومستمرة، وخاصة المصادقة على مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية. بل إن هذا القيد المسطري يمتد—وفق المادة 38 من القانون التنظيمي ذاته—حتى إلى الحكومة الجديدة المعينة إلى حين تنصيبها من قِبل مجلس النواب. ومما لا شك فيه أن هذا التجريد القانوني الصارم من سلطة المبادرة التشريعية والتنظيمية يهدد بتأبيد شلل المحاكم طيلة أشهر المشاورات والتحالفات السياسية؛ الأمر الذي يجعل المتقاضين في مواجهة مباشرة مع خطر ضياع حقوقهم ومراكزهم القانونية، وانصرام آجال الطعون، وتمديد مدد الاعتقال الاحتياطي في القضايا الزجرية التي يفرض القانون فيها حضور الدفاع كضمانة جوهرية للمحاكمة العادلة.

وأمام هذه الحتمية، لا يتبقى أمام السلطة التنفيذية (الحكومة) من مخرج دستوري استدراكي سوى إعمال مقتضيات الفصل 81 من الدستور، الذي ينص في فقرته الأولى على أنه: يمكن للحكومة أن تصدر، خلال الفترة الفاصلة بين الدورات، وباتفاق مع اللجان التي يعنيها الأمر في كلا المجلسين، مراسيم قوانين، يجب عرضها بقصد المصادقة عليها من طرف البرلمان، خلال دورته العادية الموالية. إن اللجوء إلى تقنية المرسوم بقانون يتيح تدخلاً عاجلاً لإيقاف سريان المقتضيات الخلافية ومراجعة المواد الماسة باستقلال المهنة وحصانة الدفاع. كما يضع هذا الخيار الإرادة السياسية للأغلبية أمام محك حقيقي يستوجب تنسيقاً تشريعياً وتوافقاً مسبقاً مع لجنتي العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلسي النواب والمستشارين لنزع فتيل الاحتقان؛ إذ لا يمثل هذا التدخل الاستعجالي تراجعاً يمس هيبة السلطة التنفيذية (الحكومة)، بل هو المكنة الدستورية الوحيدة لدرء الفراغ، وصيانة المرفق القضائي، وتكريس سيادة دولة الحق والقانون.

بقلم: د. حمزة الشواي

دكتور في القانون العام والعلوم السياسية، ومحام متمرن بهيئة الدار البيضاء

 

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *