حرائق الجزائر تشتعل.. والنظام يختبئ خلف شماعة المؤامرة

لم تعد حرائق الغابات في الجزائر مجرد كارثة موسمية تفرضها درجات الحرارة المرتفعة والجفاف، بل تحولت إلى اختبار متكرر لقدرة الدولة على الوقاية والاستباق وحماية السكان. ومع سقوط 12 قتيلاً وإصابة عشرات الأشخاص في الموجة الأخيرة، تجد السلطات الجزائرية نفسها مرة أخرى أمام سؤال أكبر من عدد البؤر المشتعلة: لماذا تتكرر الكارثة، ولماذا يبدو الخطاب الرسمي أسرع في البحث عن المتهمين من مساءلة منظومة الوقاية والتدبير؟

تشير المعطيات الرسمية إلى تسجيل 193 حريقاً للغطاء النباتي إلى غاية 27 غشت، جرى إخماد 147 منها، بينما ظلت 46 بؤرة نشطة. وامتدت الحرائق إلى عدد من ولايات شرق البلاد، في وقت واصلت فيه فرق الحماية المدنية عمليات التدخل وسط ظروف ميدانية صعبة.

لكن حجم الكارثة أعاد إلى الواجهة أزمة تتجاوز مواجهة النيران نفسها. فعندما تتكرر الحرائق الكبرى سنة بعد أخرى، وتقترب ألسنة اللهب من التجمعات السكنية، ويضطر السكان إلى مغادرة منازلهم، يصبح من المشروع طرح أسئلة صعبة حول فعالية منظومة الإنذار والوقاية، ومدى جاهزية البنية التحتية الخاصة بمكافحة الحرائق، وحجم الاستثمار الحقيقي في حماية الغطاء الغابوي.

كانت حصيلة الموجة الأخيرة قاسية، إذ توفي 12 شخصاً في جيجل وبجاية وتيزي وزو، بينهم طفل يبلغ ثماني سنوات، فيما أصيب عشرات الأشخاص، بينهم حالات حرجة. وبإضافة الضحايا المسجلين خلال حرائق يوليوز، ارتفعت حصيلة الوفيات المرتبطة بحرائق الغابات منذ بداية الصيف إلى 18 شخصاً وفق المعطيات المتداولة.

 

وأمام هذه الخسائر، أعلنت السلطات حداداً وطنياً على أرواح الضحايا. غير أن الحداد، مهما كانت رمزيته، لا يجيب عن الأسئلة التي تفرضها الكارثة حول أسباب تكرارها وسبل منع تحولها إلى مشهد سنوي مألوف. فالمشكلة لا تبدأ لحظة ظهور اللهب، بل قبل ذلك بكثير: في تنظيف الغابات، وفتح المسالك، وإنشاء مناطق عازلة، وتوفير نقاط تدخل قريبة، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتأهيل فرق متخصصة قادرة على الوصول بسرعة إلى المناطق الجبلية الوعرة.

 

واللافت في طريقة تعاطي السلطات الجزائرية مع الأزمة هو الحضور القوي للبعد الأمني في الخطاب الرسمي. فقد أعلنت وزارة الداخلية فتح تحقيقات لمعرفة أسباب اندلاع الحرائق المتزامنة في عدد من الولايات، فيما شهدت أزمات سابقة توجيه أصابع الاتهام إلى جهات مختلفة وربط الحرائق بأعمال تخريبية.

 

ولا خلاف على ضرورة التحقيق في أي حريق يشتبه في كونه متعمداً، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته. لكن تحويل فرضية التخريب إلى تفسير شامل لظاهرة معقدة قد يحجب أسئلة أكثر إلحاحاً تتعلق بالوقاية والاستعداد. فالحرائق المتزامنة لا تثبت، في حد ذاتها، وجود مؤامرة منظمة، كما أن موجات الحرارة والجفاف والرياح وتحول الغطاء النباتي إلى مادة شديدة القابلية للاشتعال عوامل معروفة في تفسير سرعة انتشار النيران، من دون أن يعني ذلك استبعاد احتمال التدخل البشري المتعمد في بعض الحالات.

 

وهنا يظهر الفرق بين معالجة أسباب الأزمة والبحث عن شماعة سياسية لها. فالدولة التي تريد حماية مواطنيها لا يكفيها أن تحدد من أشعل حريقاً بعد اندلاعه، بل يتعين عليها أيضاً أن تشرح لماذا تمكنت النيران من الانتشار بهذه السرعة، وهل كانت أنظمة المراقبة والإنذار جاهزة، وهل كانت فرق التدخل مجهزة بما يكفي، وهل وصلت إلى المناطق المنكوبة في الوقت المناسب.

 

كما أن امتلاك وسائل جوية وبرية لمكافحة الحرائق لا يعني بالضرورة وجود منظومة ناجعة للوقاية. فالطائرة لا تمنع الحريق من الاشتعال، والشاحنة لا تستطيع وحدها إنقاذ قرية إذا وصلت إليها النيران بعد فوات الأوان. المعركة الحقيقية تبدأ قبل موسم الحرائق، من خلال مراقبة الغابات، وصيانة المسالك، وإزالة المواد القابلة للاشتعال، ومراقبة خطوط الكهرباء، وتحديد المناطق الأكثر هشاشة، وتدريب السكان وفرق التدخل على خطط الإجلاء.

ولهذا فإن تكرار الحرائق المدمرة يفرض على الحكومة الجزائرية تقديم إجابات تتجاوز بيانات عدد الحرائق التي تم إخمادها، إلى كشف حصيلة الإنفاق على الوقاية، وعدد مراكز التدخل المتقدمة، ومدى تغطية المناطق الغابوية بوسائل الإنذار والمراقبة، وما إذا كانت التوصيات التي أعقبت كوارث السنوات الماضية قد تحولت فعلاً إلى إجراءات ملموسة على الأرض.

وفي خضم الأزمة، يظهر المواطن الجزائري في الخط الأول أمام النيران، سواء من خلال حماية منزله وممتلكاته أو مساعدة فرق الإنقاذ أو البحث عن طريق للفرار من المناطق المهددة. وتتكرر صور السكان وهم يواجهون الخطر بإمكانات محدودة، وهي مشاهد ينبغي ألا تتحول إلى مادة عاطفية عابرة، بل إلى مدخل لمراجعة سياسات التعمير والوقاية في المناطق الغابوية والجبلية.

فوجود مساكن ومزارع بالقرب من الغابات يجعل أي شرارة صغيرة قابلة للتحول إلى كارثة، خصوصاً عندما تتزامن الحرارة المرتفعة مع الجفاف والرياح. وبالتالي فإن حماية السكان لا تبدأ فقط بإرسال فرق الإطفاء، وإنما أيضاً بتخطيط عمراني يأخذ مخاطر الحرائق بعين الاعتبار.

إعلان الحداد الوطني على أرواح الضحايا خطوة إنسانية مفهومة، لكنه لا ينبغي أن يكون خاتمة الملف. المطلوب أن يتحول إلى بداية لمراجعة صريحة لمنظومة الوقاية والتدخل. فالجزائر لا تواجه هذه المأساة للمرة الأولى، وحرائق السنوات الماضية خلفت بدورها قتلى ودماراً واسعاً، ما يجعل تكرار المشهد دليلاً على أن المعالجة لا تزال أقرب إلى إدارة الكارثة بعد وقوعها منها إلى منعها قبل أن تبدأ.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه على النظام الجزائري ليس فقط: من أشعل النار؟ بل أيضاً: لماذا تمكنت النار من الوصول إلى هذا الحجم؟ وهل كانت الوقاية كافية؟ وهل وصلت وسائل التدخل في الوقت المناسب؟ وهل جرى الاستثمار فعلياً في حماية الغابات والسكان؟

هذه الأسئلة لا تلغي احتمال وجود حرائق متعمدة، ولا تعفي أي متورط من المحاسبة، لكنها تمنع تحويل كل كارثة إلى رواية أمنية جاهزة.

وفي النهاية، تكشف حرائق صيف 2026 أن الجزائر تحتاج إلى أكثر من بيانات رسمية ووعود بالتحقيقات. تحتاج إلى سياسة وقائية شفافة، وإلى تقييم علني لمكامن الخلل، وإلى منظومة تجعل حماية المواطن والغابة أولوية قبل اندلاع النيران، لا بعد أن تتحول إلى كارثة وطنية.

فالنيران قد تخمدها الطائرات والشاحنات، لكن أسباب تكرار الكارثة لا تطفئها الحملات الأمنية ولا خطابات المؤامرة؛ بل تعالجها الوقاية والمساءلة والإصلاح.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *